الشاعر، فكان شكلًا من أشكال التفرد للممدوح. جعلها الشاعر ميزة له عن غيره، وصفة لا تتواردها الخواطر، ولا تميل إليها إلا عند ذكر مدح ابن شهيد للمؤتمن.
وأجمل من ذلك أن تمتزج تلك الصورة الخيالية [1] المقيدة مع الانفعال النفسي، فيرقى التشبيه في البلاغة والمستوى الفني، كقوله [2] : -
وغَمامٍ باكَرَتْنا عَيْنُهُ ... تَتْرِعُ الأُفْقَ بدَمْعٍ صَيِّبِ [3]
مِثْلَ بَحْرٍ جَاءَنا مِن فَوْقِنا، ... جِرْمُه مِن لُؤْلُؤٍ لم يُثْقَبِ [4]
الغمام هنا يحمل من مشاعر الحزن الممزوجة بالفرح مما ينبئ عن إحساس بالألم والفخر لدى الشاعر، ألِمَ لبعده عن الشرق [5] فبكى الغمام حزنًا ومواساة له، وفخر بأنه قادم من الشرق فكان سببًا يحمل لهم الخير من مصادره، تمثل ذلك الشاعر في صورة بديعة وجميلة إذ استعار لما يأتي به الغمام من وفير المطر الدمع"تترع الأفق بدمع صيب"، وميزه عن غيره من الغمام لكونه قادمًا من الشرق الأثير في نفس ابن شهيد، فوصفه في صورة خيالية عندما شبهه"ببحر جرمه من لؤلؤ لم يثقب"وفي التقييد مزيد من مبالغة التميز، فهو لؤلؤ لم تمسسه يد البشر"لم يثقب". فالتشبيه الخيالي المركب أحدث تأثيرًا معنويًا، وجمالًا فنيًا، في صياغة غريبة متميزة لوصف ذلك الغمام.
ومما يعد من هذا المستوى في التشبيه عند الشاعر، أن تأتي في صياغة التشبيه المقلوب [6] بالمبالغة في التصوير، والوصف، كقوله يمدح سليمان
(1) التشبيه الخيالي هو المركب الذي فرض وتخيل مجتمعًا من أمور كل واحد منها مما يدرك بالحس، الإيضاح في علوم البلاغية، ج4، ص: 29.
(2) ديوان ابن شهيد، ص: 93.
(3) العين السحاب من ناحية القبلة، تعليق د. محي الدين ديب على ديوان ابن شهيد، ص: 55 وتترع من ترع الإناء ونحوه ترعًا: امتلأ، والأترع من السيول الذي يملأ الوادي. ترع، والصيب المطر من السحاب ما تصوب لجهة المعجم الوجيز مادة ترع، وصاب.
(4) الجرم بمعنى الجسد المعجم الوجيز مادة جرم.
(5) فجاء في الأبيات بعدها: فسَألْناهُ، وقد أعْجَبَنا ... حَشوُهُ العَيْنَ بمَرأى مُعْجِبِ:
أنت ماذا؟ قال: مُزْنٌ عَلَّمَتْ ... كَفَّهُ النُّجْعة كَفّا دَربِ
سامَني بالشَّرْقِ أن أسْقِيَكُمْ ... رَحْمةً منه بأقْصَى المَغْرب
(6) التشبيه المقلوب أن يجعل المشبه أتم من المشبه به في وجه الشبه، الإيضاح في علوم البلاغة، ج4 ص: 75.