الجبال جبل"حراء"لما يتميز به من عظيم الشرف والخصوصية من بين الجبال، ليرمز في ذلك إلى مكانة ممدوحه بين الورى.
ومن جانب آخر تظهر براعة الصورة إذ جعل الشاعر اهتزاز الجبل المستحيل سبيل الإرشاد إلى ثباته وجعله من صور القوة في المدح بالشجاعة، وذلك أمر لم يعهد تصوره في المدح بالقوة، فهو دومًا ما يكون في ثباته دليل رجاحة العقل، وأن يكون منها حراء فهنا يكمن التميز، والتجديد في الصورة"ومبنى الطباع وموضوع الجلبة على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان بالشغف منها أجدر" [1] .
ومما زاد من إبداع الصورة وجمالها الفني وتأثيرها البلاغي في الذوق ما جنح إليه الشاعر من استخدام الجناس التام بين"هززتك، وهززت"، فالاهتزاز في الأولى يتضمن معنى مجازي وهو القوة في الصولة على الأعداء، وفي الثانية يتضمن معنى حقيقي، هو انتفاء الحركة من الجبل ودليل الثبات والرسوخ.
ومن صور التشبيه المميزة في ديوانه أن تكون من نسج خيال الشاعر، كقوله يمدح المؤتمن [2] [3] : -
خِلْتُهُ والرُّمْحُ في راحتِهِ ... قَمَرًا يَحْمِلُ منه فَرقَدَا [4]
فعبد العزيز في قوته، وإشراقه، أثار في ذهن الشاعر صورة مختلفة تفرده عن غيره من الناس، جرى فيها التشبيه على غير المتوقع، فلم يكن الممدوح قمرًا مضيئًا، أو سيفًا صارمًا، بل هو مزيج من الإضاءة، والقوة، في خيال ابن شهيد، فشبه هيئته وهو يحمل الرمح في راحته، بالقمر يحمل الفرقد، فالقمر، والفرقد أجزاء موجودة في إطار الحقيقة والواقع، غير أن تركيبها مما لا يوجد إلا في خيال
(1) المصدر السابق، ص: 131.
(2) (*) المؤتمن هو عبد العزيز بن عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر، قلده الموالي العامريين رياستهم في بلنسية، وكان أوصل الناس رحمًا وأحفظهم بقرابته، سماه الخليفة القاسم بقرطبة"المؤتمن"، يُنظر الذخيرة في محاسن الجزيرة، ق1 م 1، ص: 249
(3) ديوان ابن شهيد، ص: 105.
(4) الفَرْقدان: نجمانِ في السماء لا يغرُبانِ، ولكنهما يطوفان بالجدي، وقيل: هما كوكبان قريبان من القُطْب، وقيل: هما كوكبان في بنات نَعْش الصغرى. لسان العرب، مادة فرقد