الصفحة 49 من 232

ومن الغرابة في الوصف، والمستوى العالي في التشبيه أن يأتي الشاعر بوصف القوة من حيث لا يتوقع أن تكون دليلًا عليها، وذلك في قوله يمدح أبا مروان [1] [2] : -

هَزَزْتُكَ في نَصْرِي ضُحىً فكأَنَّنِي ... هَزَزْتُ وقَدْ جِئْتُ الجبَالَ حِرَاءَهَا

فقوة الممدوح في القتال وثباته في الحرب معنيين للشجاعة أراد ابن شهيد عرضها في دقة وإيجاز، تتناسب وحال موصوفه"أبو مروان"، فقد عمد إلى خلق تضاعيف الصورة الجديدة لتعبر عن عظيم المدح، فاستعار لتجسيد مدى بطشه في الحرب"الاهتزاز"وهي من صفات السيف الصارم، وذلك على سبيل الاستعارة المكنية، وبالغ في معنى القوة، والمدح، فجعله اهتزازًا في النصر، ولكي يدلل على القوة في ثبات النفس، والإقدام، شبه تلك الهيئة، بهيئة اهتزاز الجبال، وما يحمله ذلك من إيحاءات الصمود والكبرياء الشامخ في مواجهة الأعداء، فهو بذلك التخيل عرض لمعنى الثبات في أبلغ صوره وأدق أوصافه متمثلاُ في ثبات الجبل المهتز.

وأنس النفوس"أن تردها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم، نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس، وعما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع، لأن العلم المستفاد من طرق الحواس أو المركوز فيها من جهة الطبع، وعلى حد الضرورة، يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام" [3] .

وتظهر شخصية ابن شهيد الشاعرة وقدرته الفنية البارعة على القول والمبالغة في المدح، فبالإضافة إلى استخدامه الاهتزاز دليلًا على القوة، ورمزًا للثبات، نجده يبالغ في المدح فيسلط الضوء على علو قدر الممدوح بين الناس إذ خص من

(1) (*) "لم نتمكن من التحقق من شخصية أبي مروان الذي يخاطبه شاعرنا بهذه القصيدة , فالدلائل في متن القصيدة تدل على أنها كتبت في تمام نضج ابن شهيد وعنفوان قواه الشعرية، لذلك كان من غير المعقول أن تكون الإشارة هنا إلى أبي مروان الجزيري صديق طفولته، أو إلى أبي مروان والد الشاعر، يُنظر يعقوب زكي، ديوان ابن شهيد، ص: 181، ويقول محي الدين ديب"فإننا لا نوافق البستاني رأيه القائل بأن أبا مروان هذا هو الوزير ابن الجزيري، لأن الأخير توفي عام 394هـ وابن شهيد حينذاك ابن اثنتي عشرة سنة"ديوان ابن شهيد الأندلسي، تحقيق: محي الدين ديب، ص: 48."

(2) ديوان ابن شهيد، ص: 83.

(3) أسرار البلاغة، ص: 121.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت