الصفحة 48 من 232

ومما يعلي من مستوى التشبيه، ويبرز قيمته البلاغية والتأثيرية دقة الوصف وتمثل الهيئة المتحركة في الصياغة التصويرية، كقوله يصف تعاقب الليل والنهار [1] : -

فكأَنَّ النُّجُومَ في اللَّيْلِ جَيْشٌ ... دَخَلُوا لْلْكُمُونِ في جَوْفِ غَابِ

وكأَنَّ الصَّبَاحَ قانِصُ طَيْرٍ ... قَبَضَتْ كَفُّهُ برِجْلِ غُرابِ

فتلك آية كونية يعرض الشاعر لوصفها، وحالة فلكية توارد على تصويرها كثير من الشعراء، فهيئة انتهاء الليل وابتداء النهار ذات سمة خاصة تنسحب من فكر ابن شهيد، وتأخذ بجانبي الوصف التصويري، فقد شبه النجوم المستترة في ظلام الليل بعد انجلاء ضوء الصبح، وقد استعدت للظهور من جديد، بهيئة الجيش يكمن في جوف الغاب تأهبًا للظهور بعد الركون للراحة، ومن جانب آخر يتجلى وصف ذلك اللقاء بين نهاية الليل وبداية النهار، أو هو وصف لأدق الحدود بين الظلام والنور، كانت الصورة فيه أبين لهيئة ظهور نور الصبح في أطراف باقية من ظلام الليل، إذ شبهها بقانص طير قبضت كفه على رجل غراب، وإبداع الشاعر في الصورة هنا يبرز في أن جعل صورة النهار الآتي في الكف وما يتبعه من اتصال بالجسم وحضور للبياض بياض النهار وبياض الجسم، وصورة الليل الذاهب برجل الغراب وما تعنيه الرجل من انتهاء الجسم، وانتهاء السواد بزوال الجسم وانقضاء الليل.

والصورة فيها من الحركة، والتفاعل في تخيل هيئة انسلاخ الليل من النهار مما يزداد به التشبيه دقة وسحرًا [2] .

وهي على ذلك تعتبر من الصور الغريبة المبتدعة عند ابن شهيد يقول الدكتور احسان عباس:"ففي البيتين صورتين هما الغاية في الطرافة، وصورة الصباح منها تدل على دقة عجيبة في الرسم والتصوير معًا" [3] .

(1) ديوان ابن شهيد، ص: 85.

(2) يُنظر أسرار البلاغة، ص: 180.

(3) تاريخ الأدب الأندلسي عصر سيادة قرطبة، ص: 241.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت