ومما يعد من المستوى العالي في التشبيه أن يأتي الشاعر بالتمثيل في أعقاب المعاني كقوله [1] : -
وأَوْجعُ مَظْلُومٍ لقَلْبٍ وذِي حِجَى ... فَتى عَربيّ ٌ تزدريهِ أَعاجِمُ
غَنِيتُمُ على ما تزعمُونَ عن الورى ... لقد سَفِهَتْ تِلْكَ الحُلُومُ الزَّوَاعِمُ وهل يُقْدِمُ البازِي على الطَّيْرِ في الضُّحى ... إِذا زالَ عن ريشِ الجناح ِالقَوادِمُ [2]
فذلك ألم تحمله نفس الشاعر العربية الأبية، من ظلم أجنبي أتى به الضعف العربي عن مواجهة الازدراء البربري، في السلطة الجائرة.
وهو في الأبيات يُعَرِض ُ بمن بسط لهم يد المولاة من أبناء العروبة، فيذكر بموقف المستكفي من الخليفة المستظهر، وينقض ما يعتقده من أن تلك الموالاة قد تكفه حاجته للناس، وتغنيه عن أصحاب الرأي والمشورة، ليدل بذلك الاعتقاد على سفه العقل والرأي، وسوء التدبير، فلن تقوم سلطة، وسطوة، إلا في وجود الورى الناصح العريق الأصل، وإلا فهي عاجزة، قاصرة.
وهذا معنى أكده الشاعر، وأثار تمكنه في نفس السامع، بما ساقه في صياغة الصورة التمثيلية إذ شبه حاله تلك بحالة البازي في قوته غير أنه عاجز عن أبسط مظاهر تلك القوة وهي الطيران، إذا ما زالت قوادم ريش الجناح عنه."وريش الجناح القوادم"هي العشر ريشات في مقدم الجناح [3] ،"وأعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشبَّ من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفًا، وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفًا" [4] .
(1) ديوان ابن شهيد، ص: 154.
(2) البازي: هو نوع من الطيور الجارحة من طائفة النسر. لسان العرب مادة باز.
(3) يُنظر المخصص، لا بن سيده أبي الحسن علي بن إسماعيل الأندلسي، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، السفر الثامن، الجزء الثاني، ص: 130.
(4) أسرار البلاغة، ص: 115.