الصفحة 46 من 232

قوية؛ وذلك التفصيل الذي يعرض لأكثر من جانب في الصورة إذ يصف هيئة الدموع وبالغ الحزن، قد أضفى قدرًا من المبالغة والبراعة في إحداث التأثير، على صياغة الصورة التشبيهية، فـ"كلما كان أوغل في التفصيل، كانت الحاجة إلى التوقف والتذكر أكثر والفقر للتأمل والتمهل أشد" [1] وذلك مما يكسبه جانبًا من الجمال الفني، والخيال المعنوي.

إضافة إلى هذا فإن الوصف هنا إنما"يخالف نهجه السابق حيث جعل المرثي هنا ذا صلة بالآخرين فكان فقده ذا أثر كبير عليهم" [2] .

ومثله أيضًا في البيان والبلاغة، قوله [3] : -

وفِتْيَةً كنُجُومِ القَذْفِ نَيَّرهُمُ ... يَهْدِي، وصائِبُهُمْ يُودى بإِحْراقٍ

ودَّع أبو عامر إخوانه إذ أحس بقرب الأجل، وطلب منهم تأبينه، وتذكره بعد الموت، ولا ينسى في أثناء الوداع أن يمدحهم، فذلك أدعى لتحريك مشاعرهم والاستحواذ على نفوسهم، فتخيل أن طموحهم يدفعهم للعلا، وترتفع بهم أقدارهم لحدود الأفلاك، فهم حلماء في الرأي، أقوياء في البطش، شبههم في ذلك بالنجوم، وقيد المشبه به بأن جعلهم نجوم القذف، فهم قوة في أسباب العقاب، والسيطرة على مظاهر الشر والفساد، وكأنما تضمن وصفهم على معنى ردع المضل الذي نصت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى يصور نجوم السماء: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا الْسَّمَآءَ الْدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَهَا رُجُومًا لّلشَّيَاطِيِن ِ} [سورة المُلك آية 5] ، ورشح التشبيه مبالغة في إيهام التماثل، فأتى على ذكر صفتي السمو وحالتي التميز والإعجاب للنجوم ونسبها تخيلًا لأصحابه، فذو الرأي منهم يرشد للصواب كما أن نير النجوم يهدي الساري في الليل، وفارسهم يؤذن بجحيم عدوهم، كما أن المصيب من النجم يحرق الشياطين. وذلك تفصيل في الصورة يحمل معاني المدح بالقوة، وسداد الرأي، يجمع فيه الشاعر بين صور مدح إخوانه في شتى أحوالهم الرخاء والشدة، ويبين عن طيب خيمهم، وعلو قدرهم في القول والعمل.

(1) أسرار البلاغة، ص:. 161.

(2) ابن شهيد الأندلسي حياته أدبه، ص: 90.

(3) ديوان ابن شهيد الأندلسي، ص: 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت