الصفحة 45 من 232

بالماء يغمر الوجه فيبعث الحياة فيه كما تغمر الأرض الجدباء بالماء فتحيا، وهذا من تداخل التشبيه بالاستعارة حتى تكونت منها صورة مركبة عميقة الإيحاء، إذ استعار للوجه المغطى بالبشر صفة الأرض المغطاة والمغمورة بالماء فقال"غمر بماء البشر"على سبيل الاستعارة المكنية، وهذه أبلغ صور الكرم وأشدها على النفس يحق لصاحبها بها المجد فهي شكل من أشكال الإيثار إذ أن المشاعر تتنوع بين ما يكابده في ذاته، وما يتصنعه أمام الناس من البشر والسرور لإرضائهم.

ومن بلاغة التشبيه وعلو تأثيره في التركيب أن يتضمن تفصيلًا في عرض الصورة، والوصف كقوله يرثي ابن ذكوان [1] [2] : -

تخالُ لَفِيفَ النَّاس ِ حَوْلَ ضَريحِهِ ... خَلِيط َ قَطًا وافى الشَّرِيعَةَ هَارِبَا [3]

إَذا ما امْتَرَوْا سُحْبَ الدُّمُوعِ تَفرَّعَتْ ... فُرُوعُ البُكا عن بارق الحُزْن لاهِبَا [4]

فموت ابن ذكوان يمثل عند ابن شهيد خسارة عظيمة تكبدها الناس، وفزعوا لها، فأشربت قلوبهم الحزن، والألم، وضاقت عليهم أنفسهم، فتجمعوا حول ضريحه طلبًا للغوث، والشفاعة، فكانت هيئتهم تلك أشبه بهيئة خليط من اليمام مجتمع، وافى الماء هربًا من قسوة الصحراء، والموت، فكلاهما"الناس، واليمام"يبحث عن أسباب الحياة، الحسية في الشريعة للقطا، والنفسية في استقاء توجيه ذلك القاضي، وإرشاده للناس، ويبالغ الشاعر في تصوير حالهم، فيقول:"إذا ما امتروا سحب الدموع تفرقت فروع البكا عن بارق الحزن لآهبا"فقد ذرفت مآقيهم الدمع الكثير، فكانت أشبه بالسحب المثقلة التي تنهمر منها الماء، وفصل في عرض دقائق الصورة فكانت جانبًا آخر من جوانب الحزن، إذ تفرعت تلك السحب، وانكشفت كثرتها وكثافتها عن حزن عميق محرق أشبهت البرق الصاعق واللآهب فهي عظيمة،

(1) (*) هو أبو العباس أحمد بن عبدالله بن هرثمة بن ذكوان بن عبدالله بن عبدوس الأموي، قاضي الجماعة في قرطبة، مذكور بالفضل ومن أهل بيت فيهم علم ورياسة، والقضاء يتردد فيهم توفي سنة 413هـ، يُنظر جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، لأبي عبدالله محمد الحميدي، ص: 129. رقم 223.

(2) ديوان ابن شهيد الأندلسي، ص: 90.

(3) القطا هو نوع من اليمام يؤثر الحياة في الصحراء، ويطير جماعات، الشريعة هي المنبع من الماء والبئر، لسان العرب مادة قطا، شرع.

(4) ورأيتُ النار من الزَّند تتماتر: تَتَرامى، وتتساقط انظر لسان العرب مادة متر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت