الصفحة 44 من 232

والصور، ويحتكم فيها إلى المران والدربة والتي تتفاوت بتفاوت استعداد النفس، وتمام القدرة، وتجدد الفكرة، والمعنى" [1] ."

ومن هذا المستوى الرفيع في عرض الصورة التشبيهية أن يعمد الشاعر إلى الغرابة، والإبداع، والتجديد في الصياغة، كما في قوله من الحكمة في الوصف بالكرم [2] : -

إن الكرِيمَ إِذا نالته مَخْمَصَةٌ ... أَبْدى إِلى النْاسِ شِبْعًا وهو طَيَّانُ [3]

يحنْيِ الضلوع على مثل اللظى حُرْقًا ... والوجْه غَمْرٌ بماءِ البِشرِ ملآنُ [4]

إن نفس الكريم كريمة وخصاله حميدة، فهو يبذل حياته ويكابد شعور الألم ليوفر السعادة للغير فلا يشكو ولا يتذمر ويحترق ليضيء للآخرين هذا المعنى عرضه الشاعر في صورة جميلة ومؤثرة تضمن لها الخلود في الأدب والفكر فشبه ما يخفيه الكريم بين أضلاعه من ألم وشقاء يؤرقه ويكدره باللظى فهو"يحني الضلوع على مثل اللظى"وفي تشبيه ذلك الألم باللظى دلالة على عمقه وشدته لما يحمله معنى اللظى من الإلتهاب والحرقة، كونها اسم من أسماء جهنم [5] ، وبالغ في ذلك الألم فوصفه بأنه"حرقًا"فهو يشتد حرقة على نفسه على ما فيه من لظى،"والمشبه هنا مقدر أي يحني الضلوع على ألم مثل اللظى، فقد وقعت أداة التشبيه مضافة للمشبه به وهما معا صفة للمشبه المحذوف لكنه مقدر كالموجود لأن بناء الكلام يقتضيه فالصفة تقتضي وجود موصوف وهذه صياغة نادرة للتشبيه تميل إلى طيّ المشبه بمقدار الرغبة في طيّ الألم والكتمان فهذا من دلالة النظم على الشعور الخاص" [6] ، وألمح إلى معنى وجه الشبه بين الصورتين بالمبالغة في قوله:"حرقًا"؛ ومما يدلل على كرم أوصاف الكريم وسماحة خلقه، أنه يبدي للناس غير ما يخفي فوجهه مليء بالسرور والسعادة وكأنه مغمور بماء البشر وبالغ في الوصف فجعل البشر أشبه

(1) الأدب العربي في الأندلس تطوره موضوعاته أشهر أعلامه. د. علي سلامه، دار صادر بيروت، ص: 90.

(2) ديوان ابن شهيد، ص: 161.

(3) المخمصة: خلاء البطن من الطعام، وطيان: أي جائع. المعجم الوجيز مادة خمص، طين.

(4) غمر من غمره البحر غمرًا بمعنى علاه، وستره. المعجم الوجيز مادة غمر.

(5) المعجم الوجيز مادة لظى.

(6) من توجيهات الدكتور المشرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت