الصفحة 2 من 60

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فأصل هذا البحث جواب عن سؤال ورد إليَّ من بعض المجاهدين المرابطين في أحد الثغور، وفي الابتداء لم يكن العزم على الاستطراد وتتبع بعض جزئيات المسألة والتوسع فيها إلى هذا الحد، غير أني كلما طالعت ما كتبه علماؤنا -رحمهم الله- وجدته أكثر تشعبًا وتوسعًا، فاستعنت بالله عز وجل وأطلقت عِنان القلم، وجعلت قصدي الوصول إلى حكمٍ تطمئن إليه النفس وتبرأ به الذمة، من غير اعتبار لطول البحث أو قصره، فكان محط الركاب أبعد مما ظننت، ولولا الاضطرار لما تجشمت صعابه، ولا قطعت سهوله وهضابه، فرحم الله امرءًا عرف قدر نفسه

على أنني راضٍ بأن أحمل الهوى *** وأخلُص منه لا عليَّ ولا ليا.

ولكن عفو الله أوسع، ورحمته أسبق، وفضله كبير.

فلما منَّ الله سبحانه ببلوغ الغاية منه، وحيث بقيتُ زمنًا للتأمل والمشاورة في مسائله وترقب ملاحظات بعض العلماء والفضلاء، جاءتني مبشِّرة فكان مما رأيت فيها الإمام الشافعي والإمام النووي - رحمهما الله- ونحن في سيارة من النوع الذي اعتاد المجاهدون على استعماله، وبيدي قلمٌ وورقة فقال لي الإمام الشافعي اكتب، وأصبح يملي عليَّ فقال عن نفسه: إني ذكرتُ أو قررتُ في كتاب كذا عن حكم الاستعانة بالمشركين «وذكر حكمًا لم أعد أذكره» ثم قال: وأنا الآن أقول بما قلتَه في كتابك. اهـ. وفي الرؤيا أمور أخرى لم أجد حاجة لذكرها في هذا الموضع.

وقد استبشرت بها خيرًا من غير اغترار، فعرضتها على بعض العلماء المؤولين فعبرها تعبيرًا حسنًا، وهو الذي أشار علي بكتابتها في مقدمة البحث اقتداءً بأئمة أجلة نهجوا هذا النهج فألحقتها بها استجابة لطلبه واتباعًا لمشورته أجزل الله له الأجر والمثوبة ورفع قدره في الدنيا والآخرة.

أما عن موضوع البحث فقد ورد في مسألة الاستعانة بالمشركين على المشركين في القتال عدة أحاديث وآثار قولية وفعلية ظاهرها التعارض، فبعضها صريح في نفي الاستعانة بهم مطلقًا، وبعضها يفهم منه جواز ذلك، وعليه انبنى اختلاف العلماء في هذه المسألة تبعًا لمسالك ترجيحاتهم فيها وطرق جمعهم بينها.

والأمر المقطوع به أن التعارض التام من كل وجه بين الآيات القرآنية أو السنن النبوية الصحيحة أو هي معًا وبصورة لا يمكن الجمع بينها لا يتصور وقوعه بحال من الأحوال؛ لأن الكل وحيٌ من عند الله الذي لا تخفى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت