الصفحة 21 من 60

فإذا كان العلماء قد منعوا من الاستعانة بهم في حالة يكون معها جيش المسلمين هو الأقوى، وسلطانه هو الأعلى، ورايته هي المقدَّمة، إلا أن للكفار راية استقلوا بها لأنفسهم، فكيف إذا كانت راية الكفار هي العليا، ويدهم في تسيير الأمور وتدبيرها هي الطولى، والمسلمون معهم أهون من أهل الذمة، فلا تسمع لهم كلمة، ولا تُرى لهم راية، ولا يستشارون في شأن كبير ولا حقير.

فهذه هي خلاصة الشروط -مما وقفت عليه- والتي ذكرها العلماء المجوِّزون للاستعانة بالكفار على قتال الكفار، وهي شروط واضحة المعالم، محددة المضمون، بينة المغزى، مدرَكة الحكمة، تدور إجمالًا على الحذر الدائم من الكفرة، والاحتياط التام من الركون إليهم والميل نحوهم، وتجنب الاغترار بظواهرهم والانخداع بدعاواهم، وتوجب أخذ جميع الأسباب لمنع أو تقليل مفاسدهم، والاجتهاد في الحيلولة دون وصولها للمسلمين.

ولا شك أن من سيذهب إلى القول بجواز الاستعانة بالكفار على الكفار مع التقيد بهذه الشروط الغليظة المحكمة لن يعثر إلا على صور وحالات في غاية الندرة يمكن أن تنطبق عليها كل هذه الشروط.

فليتقِ الله أناسٌ تلاعبوا ويتلاعبون بأقوال الفقهاء، وخبطوا في الأدلة خبط عشواء، وخلطوا الحق بالباطل، ولبسوا ودلسوا، فجنوا على أمة الإسلام بتحريفاتهم وتلاعبِ تأويلاتهم جنايةً عظيمة جسيمة، أثقلت كاهلها، وتسلط بسببها أعداؤها، وزادت الإسلام محنة على مِحَنه، وكربة فوق كُرَبه، ولو أنهم أدركوا حقيقة واقعهم إدراك الكيس الفطِن، وتبصروا بمكائد أعدائهم تبصر اللوذعي اللقِن، وتقيدوا بشروط وضوابط علماء الإسلام، وأعطوها حقها، وأوقعوها موقعها، وجنبوا أنفسهم ميول الأهواء، ومخادعات النفوس، لما زلت بهم الأقدام، وضلت بغفلتهم أو تغافلهم الأفهام، وامتحن بسببهم أهل الإسلام والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت