الصفحة 4 من 60

على سبيل التبع اللازم والتنبيه الضروري في بعض المواطن، لا البحث المستقصى والترجيح المستوعِب حتى لا نسترسل في تفريعات الخلافات فيطول الكلام ونبتعد عن المقصود، خاصة وأن المسألة -ولله الحمد- قد تناولها الكثير بالكتابة والبحث.

المذهب الأول: عدم جواز الاستعانة بالمشركين في الحرب.

المذهب الثاني: جواز الاستعانة بهم بشروط لا بد منها.

وهذا هو تفصيل القول فيها وحجج أهلها وما يندرج تحتها من بقية الاختيارات والترجيحات.

المذهب الأول: عدم جواز الاستعانة بالمشركين في الحرب.

ذهب جمعٌ من العلماء -رحمهم الله- إلى تحريم الاستعانة بالكفار على الكفار في الحرب، وهو مذهب المالكية ويستثنون من ذلك أن يكون الكفار خدمًا للمسلمين ونحو ذلك مما لا يخرجون فيه عن الذلة الصغار والهون، وهي رواية عن الإمام أحمد، وعنه روايات أخرى يأتي ذكرها إن شاء الله، وكرهه الإمام الشافعي في القديم، وإليه ذهب ابن حزم، وابن المنذر، والجوزجاني، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني [1] ، وغيرهم من أهل العلم رحمهم الله جميعًا، واستدلوا لقولهم بعدة أدلة من الكتاب والسنة وهي:

الأول: قوله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ} [2] ، وفي هذا يقول العلامة الألوسي -رحمه الله-: [وحمل الموالاة على ما يعم الاستعانة بهم في الغزو مما ذهب إليه البعض] [3] ، وحجتهم في ذلك أن مما جاء في سبب نزول هذه الآية ما رواه الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: [أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدريًا نقيبا، وكان له حلفاء من اليهود فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو فأنزل الله تعالى:"لا يتخذ"إلخ] [4] ، وقد أجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول في الآية، كما قال صاحب مراقي السعود:

(1) - للإمام الشوكاني -رحمه الله - في هذه المسألة أقوال: فقد نص في بعض كتبه على أن الاستعانة بالكفار لا تجوز مطلقًا، وفي بعضها استثنى منها حالة الضرورة فقط، وفي بعضها جوزها عند الحاجة.

(2) - (آل عمران: 28) .

(3) - (روح المعاني: 3/ 120) .

(4) - انظر (روح المعاني: 3/ 120) ، و (تفسير القرطبي: 4/ 85) ، و (زاد المسير: 1/ 371) و، (التفسير الكبير: 8/ 10) ، وقد ذكر الإمام ابن جرير رحمه الله سببًا آخر لنزول الآية حيث روى بسنده عن ابن عباس قال: [كان الحجاجُ بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، قد بَطَنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر بن زَنْبَر، وعبد الله بن جبير، وسعد بن خيثمة، لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم! فأبى أولئك النفر إلا مُباطنتهم ولزومهم، فأنزل الله عز وجل:"لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين"إلى قوله:"والله على كل شيء قدير"] (تفسير الطبري: 6/ 314)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت