هذا مجمل الأدلة التي اطلعت عليها مما اعتُمدت في الاستدلال، سواء من قبل المانعين للاستعانة أو المجوزين لها، وقبل الشروع في مناقشة الأقوال، والنظر فيما يترجح منها، وذِكْرِ طرق العلماء في الجمع والتوفيق بين الأدلة؛ لا بد أن نذكر هنا الشروط التي نص عليها من جوَّز الاستعانة بالمشركين على المشركين، حتى لا يفهم أحد أن هؤلاء العلماء قد أرخوا الحبل على الغارب فأجازوا الاستعانة بهم مطلقًا وعلى كل حال من غير ضبط ولا ربط ولا قيد، فيَنسِب إليهم من المذاهب والأقوال ما لم يذهبوا إليه أو يقولوا به.
ومجمل هذه الشروط التي سنذكرها مبثوثة ومتفرقة في كتبهم، ومنقولة من خلال عباراتهم، بمعنى أنها ليست مسرودة سردًا واحدًا في كتاب من هذه الكتب، وإنما يذكر كل إمامٍ أو فقيه طرفًا منها، وينص على بعضها بحسب ما يقتضيه المقام أو يذهب إليه اجتهاده، فقد تتطابق كلمتهم وتتوافق في التنصيص على شيء من الشروط، وقد ينفرد بعضهم بذكر شروط أخرى لم يأتِ ذكرها عند غيره:
الشرط الأول: أن يكون الكافر الذي يُستعان به حسن الرأي في المسلمين، بمعنى أن لا يكون غاشًا لهم، مدلسًا عليهم، حريصًا على إيصال الضرر بهم، وأن يكون ظاهرَ الصدقِ فيما يُشير به من رأي، أو يقوم به من عملٍ، فإن فُقد هذا الشرط فلا يجوز الاستعانة به، لأن في ذلك تغريرًا بالمسلمين، وإيقاعهم فيما فيه الإضرار بهم، بل إن المستعين بكافرٍ فاقدٍ لهذا الشرط يُعد من أعظم الغاشين لله ولرسوله وللمؤمنين، وما حاله إلا كحال من يسوق غَنمه إلى مسبعة وهو يَعلم، ويزعم بعد ذلك أنه يحسن رعيها ويحرص على حفظها.
قال الشيرازي الشافعي: [فإن احتاج أن يستعين بهم؛ فإن لم يكن من يستعين به حسن الرأي في المسلمين لم نستعن به، لأن ما يخاف من الضرر بحضورهم أكثر مما يرجى من المنفعة، وإن كان حسن الرأي في المسلمين جاز أن نستعين بهم] [1]
وقال الإمام ابن قدامة -رحمه الله-: [ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم تجزئه الاستعانة به، لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمَن من المسلمين مثل المخذل، والمرجف، فالكافر أولى.] [2]
(1) - (المهذب: 2/ 230) .
(2) - (المغني: 10/ 447) .