وقال أيضًا: [فإن دعت حاجة إليه ولم يكن حسن الرأي في المسلمين لم يستعن به أيضًا؛ لأن ما يخشى من ضرره أكثر مما يرجى من نفعه، و إن كان حسن الرأي فيهم جاز] [1]
وننبه هنا إلى أن الأصل هو عدم الوثوق في الكفار، وطرحُ الطمئنينة إلى رأيهم، والاستنامة لمشورتهم، وذلك لما يضمرونه لنا من البغضاء والعداوة والحسد، ولما جُبلت عليه نفوسهم الخبيثة من الحرص على إيقاع الضرر بالمسلمين، وتحين الفرص واغتنام الأحوال لذلك، والسعي الدائم لصدهم عن دينهم.
وعليه فلا بد من استصحاب هذا الأصل، والاستمساك به، والتفطن له، وتوطيد النفس عليه، وعدم الاغترار والانجرار وراء ظواهر خداعة، وتمويهات يُلبس بها الكفرة على السذج ليخفوا هذه الحقيقة التي بينها القرآن أيما بيان، وحذَّر المؤمنين من دخائل نفوس أعدائهم أتم تحذير، وكشف لهم ما تنطوي عليه صدورهم من الضغائن والأحقاد، كما قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ*هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [2]
قال الإمام السعدي -رحمه الله- في تفسير الآية الأولى: [هذا تحذير من الله لعباده عن ولاية الكفار، واتخاذهم بطانة، أو خصيصة، وأصدقاء يسرون إليهم ويفضون لهم بأسرار المؤمنين، فوضح لعباده المؤمنين الأمور الموجبة للبراءة من اتخاذهم بطانة بأنهم: «لا يألونكم خبالا» أي: هم حريصون غير مقصرين في إيصال الضرر بكم، وقد بدت البغضاء من كلامهم، وفلتات ألسنتهم، وما تخفيه صدورهم من البغضاء والعداوة أكبر مما ظهر لكم من أقوالهم وأفعالهم، فإن كانت لكم فهوم وعقول فقد وضح الله لكم أمرهم] [3]
وقال عز وجل: {إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [4] ، والآيات في هذا كثيرة معلومة.
قال الإمام الشافعي -وهو من القائلين بجواز الاستعانة مع هذا الشرط - بعد أن ذكر كثيرًا من صفات المنافقين التي بينها الله عز وجل في كتابه: [فمن شُهِرَ بمثل ما وصف الله تعالى المنافقين لم يحل للإمام أن يدعه يغزو معه، ولم يكن لو غزا معه أن يسهم له ولا يرضخ، لأنه ممن منع الله عز وجل أن يغزو مع المسلمين، لِطلْبَتِه فتنتهم، وتخذيله إياهم، وأن فيهم من يستمع له بالغفلة، والقرابة، والصداقة، وأن هذا قد يكون أضرَ عليهم من كثير من عدوهم، قال: ولما نزل هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن ليخرج بهم أبدًا، وإذا حرم الله
(1) - (الكافي: 4/ 122) .
(2) - (آل عمران: 118 - 119) .
(3) - (تفسير السعدي: 1/ 973) .
(4) - (الممتحنة: 2) .