عز وجل أن يخرج بهم فلا سهم لهم، لو شهدوا القتال، ولا رضخ، ولا شيء، لأنه لم يحرم أن يخرج بأحد غيرهم، ... قال الشافعي: وإن كان مشرك يغزو مع المسلمين، وكان معه في الغزو من يطيعه من مسلم، أو مشرك، وكانت عليه دلائل الهزيمة، والحرص على غلبة المسلمين، وتفريق جماعتهم لم يجز أن يغزو به، ... لأن هذا إذا كان في المنافقين مع استتارهم بالإسلام، كان في المكتشفين في الشرك مثله فيهم، أو أكثر، إذا كانت أفعاله كأفعالهم أو أكثر، ومن كان من المشركين على خلاف هذه الصفة، فكانت فيه منفعة للمسلمين، بدلالة على عورة عدو، أو طريق، أو ضيعة، أو نصيحة للمسلمين، فلا بأس أن يغزى به] [1]
وقال الشيخ محماس جلعود في كتابه الموالاة والمعاداة:[فلا يجوز الانخداع بما يظهره الكفار من صداقة وإخلاص حيث إنهم أعداء عقيدة لا ترجى مودتهم، وما يتظاهرون به من صداقة ونصح، فإنما هو لأغراض في أنفسهم، ولمصالحهم الخاصة، وللمكر والوقيعة بالمسلمين كالأفعى ينخدع الجاهل برقبتها ونعومتها وفي فمها السم الزعاف، وهؤلاء الكفار كذلك فإن مبدأهم في التعامل مع المسلمين، أن لا إثم ولا خطيئة عليهم في خيانة المسلمين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، بل يرون ذلك قربة وقصاصًا عما فعله المسلمون بأسلافهم في الشام ومصر والأندلس.
وقد حذرنا الله منهم، وبين لنا مواقفهم منا، ونظرتهم إلينا في التعامل والمعاملة، حتى نكون على بينة في معاملتنا لهم.]
ومع ما ذكرنا من أن الأصل عدم الوثوق في الكفرة، فليس هناك ما يمنع من أن يكون فيهم مؤتمنون يشذون عن هذا الأصل كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله: [فإن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمن، كما قال تعالى: «ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما» ؛ ولهذا جاز ائتمان أحدهم على المال، وجاز أن يستطب المسلم الكافر إذا كان ثقة، نص على ذلك الأئمة كأحمد وغيره ... وهو جائز إذا لم يكن فيه مفسدة راجحة مثل ولايته على المسلمين، وعلوه عليهم ونحو ذلك] [2]
(1) - (الأم: 4/ 129) ، وما ذكره الإمام الشافعي رحمه الله من الأمور التي قد يكون فيها منفعة للمسلمين كالدلالة على عورات الكفار أو طرق الوصول إليهم ونحو ذلك، قد يفهم منها أن الاستعانة بهم محصورة في خصوص هذه الأمور دون إشراكهم في القتال، وقد ذكرنا من قبل أنه في مذهبه القديم كره الاستعانة بهم كما قال الإمام البيهقي -رحمه الله-: «وقد كره الشافعي في القديم في رواية أبي عبد الرحمن البغدادي عنه الاستعانة بالمشركين» (معرفة السنن والآثار14/ 287) ، إلا أن كلامه في مواطن أخرى وما نقله عنه أهل مذهبه يدل على تجويزه للاستعانة بهم في القتال أيضًا، كما قال الإمام البيهقي: «ورخص في الجديد بالاستعانة بهم إذا كانت فيهم منفعة للمسلمين، واحتج بخروج صفوان بن أمية معه في غزوة حنين وهو مشرك» ، ومن العجيب أن الإمام القرطبي -رحمه الله- قد ذكر أن الصحيح عن المشافعي هو منعه من الاستعانة بالكفار فقال: [وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي] (تفسير القرطبي: 6/ 224) ، ولكن الظاهر أن أهل مذهبه أدرى، أو أنه بنى هذا القول على مذهبه القديم، لانه ذكر في موطن آخر من تفسيره خلاف هذا، فقال: [وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والاوزاعي: لا بأس بذلك إذا كان حكم الاسلام هو الغالب، وإنما تكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك هو الظاهر] (تفسير القرطبي: 8/ 100) .. والله أعلم.
(2) - (مجموع الفتاوى: 4/ 114) .