الصفحة 14 من 60

الشرط الثاني: أن يكون حكم الإسلام هو الساري عليهم الجاري فوقهم، فالإسلام يعلو ولا يعلى، ومعنى هذا، أن يكون من يُستعان به من الكفار تحت قهر جيش المسلمين، وتابعًا لهم، وخاضعًا لسطانهم، ومأتمرًا بأوامرهم، فلا يكون مساويًا لهم في القوة والعدد والعُدد أحرى أن لا يكون فوقهم وأقوى منهم، وهذا يدل أيضًا على أن تدبير الأمور وتسييسها وتسييرها بيد جيش الإسلام وقادته، ولهم في ذلك تمام الاستقلال، فخططهم وأوامرهم نابعة من محض النظر والاجتهاد والمصلحة الراجحة عندهم، وليس للكفرة المستعان بهم يدٌ في فرض رأي أو إلزام بمشورة أو إصدار لأمر.

قال الإمام ابن عبد البر -رحمه الله-: [وقال الشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم لا بأس بالاستعانة بأهل الشرك على قتال المشركين، إذا كان حكم الإسلام هو الغالب عليهم، وإنما تكره الاستعانة بهم، إذا كان حكم الشرك هو الظاهر] [1]

وقال الإمام الشافعي -رحمه الله: [ولا بأس إذا كان حكم الإسلام الظاهر أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين؛ وذلك أنهم تحل دماؤهم مقبلين ومدبرين ونياما وكيفما قدر عليهم إذا بلغتهم الدعوة] [2]

وقال الطحاوي -رحمه الله-: [قال أصحابنا: لا بأس بالاستعانة بأهل الشرك على قتال المشركين، إذا كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم، وإنما يكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك الظاهر، وهو قول الشافعي] [3]

وقال أبو المظفر أسعد بن محمد بن الحسين الكرابيسي النيسابوري الحنفي: [يجوز للمسلمين الاستعانة بأهل الذمة على الكفار اذا لم يكن لهم شوكة، ولا يجوز الاستعانة بأهل الذمة اذا كانت لهم شوكة، والفرق أن الشرط في مخالطتهم أن يكونوا تحت قهرنا وحكمنا، فإذا كان فيهم قلة كانوا تحت قهرنا فلم يكن بالاستعانة بهم ضرر بالمسلمين فجازت الاستعانة بهم، وليس كذلك إذا كانت لهم شوكة لأنهم ربما لا يكونون تحت قهرنا، ولا يؤمن أن يخرجوا علينا، ويظهر دينهم وإذا لم يؤمن في الاستعانة بهم الأضرار لا يستعان بهم] [4]

ولأن التفريط في هذا الشرط يؤدي إلى جعل سبيلٍ للكافرين على المؤمنين، إما حالًا وإما مآلًا كما سيأتي في الشرط التالي، وأعني بقولي حالًا بأن يتغلب الكفار المستعان بهم على جيش المسلمين ويستقلوا بقوتهم وينفردوا بأحكامهم، ويُخضعوا من معهم من المسلمين لها، ويلزموهم بها، ويكون جيش المسلمين -والعياذ بالله- في حالةٍ من الاضطرار، والانكسار، والضعف، والتبعية، بحيث يعجز أمام حاجته لهم عن الاستقلال

(1) - (التمهيد: 12/ 35) .

(2) - (الأم: 4/ 219) .

(3) - (مختصر اختلاف العلماء: 3/ 428) .

(4) - (الفروق: 1/ 319 - 320) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت