بنفسه والانفراد بسلطانه وشوكته، وبهذا تكون يدهم هي الغالبة، وسبيلهم هي الجارية، وكلمتهم هي العالية، ولا مخرج من هذا إلا بعلوِّ يد المسلمين عليهم، وخضوع الكفرةِ وانقيادهم لقيادتهم.
قال الإمام الشوكاني -رحمه الله-: [وقد روي عن الشافعي المنع من الاستعانة بالكفار على المسلمين، لأن في ذلك جعلَ سبيلٍ للكافر على المسلم، وقد قال تعالى: «ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا» ، وأجيب بأن السبيل هو اليد، وهي للإمام الذي استعان بالكافر، وشرط بعض أهل العلم - ومنهم الهادوية - أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق، إلا حيث يكون مع الإمام جماعة من المسلمين يستقل بهم في إمضاء الأحكام الشرعية على الذين استعان بهم ليكونوا مغلوبين لا غالبين، كما كان عبد الله بن أبي ومن معه من المنافقين يخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم للقتال وهم كذلك] [1]
وقال أيضًا: [وحكى في البحر عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه أنها تجوز الاستعانة بالكفار والفساق، حيث يستقيمون على أوامره ونواهيه.] [2]
فلا بد إذًا من وضع هذا الشرط الخطير نصب أعين كل من أراد أن يحتج بكلام الفقهاء في هذه المسألة، وأن لا يخادع نفسه ويُضلل جماعته بالتنصل منه والتغاضي عنه، بحجة الحاجة حينًا والضرورة أحيانًا، فيرمي جماعته في أحضان دولٍ كافرة كاسرة غادرة ارتماء الطفل الرضيع العاجز في حجر أمه، فيهلك جماعته، ويضيع جهودها، ويحرف مسارها، تحت وطأة ضغط القوانين، وتوالي الشروط من تلك الدول الكافرة، والتحكم في مسيرة جماعته بحسب ما يصب في مصلحة تلك الدول، ويوافق سياساتها الظرفية المتقلبة، فتصبح تلك الجماعة تتقلب بها المصالح، وتصعد وتنزل بين أمواج الشروط، وهي كالقشة الصغيرة في ذلك البحر الخضم المتلاطم، بلا تحكم ولا انضباط، لا تملك من أمرها شيئًا، ثم يزعم قادتها وأمراؤها بعد ذلك كله أن ما يفعلونه لا يتجاوز «الاستعانة بالمشركين على المشركين» ، فحذار حذار من التلاعب بكلام الأئمة وتجاوز شروط الفقهاء، ولنحذر أكثر من أن تنسب مزالقنا إليهم ونجعلها مذاهبهم، فيكون الحال كلابس ثوبي زور.
الشرط الثالث: أن يكون مآل الحكم بعد الغلبة والظفر للإسلام وأهله، وفرقُ ما بين هذا الشرط والذي قبله، أن الشرط السابق يتعلق بإجراء أحكام الإسلام على المشركين المستعان بهم حينَ الاستعانة وأثناءها، أما هذا الشرط فهو ينص على أن الجيش الإسلامي الذي استعان بالكفار واثقٌ بأن حكم الإسلام هو الذي سيؤول إليه الأمر بعد النصر وكسر شوكة أعدائهم ومتحققٌ من ذلك، وقادرٌ عليه بحسب ما معه من القوة والشوكة ووفق سنن الأسباب، أما إذا كانت هذه الاستعانة ستؤدي إلى ظهور كلمة الشرك -والعياذ بالله- وغلبة أهلها، وبسط يدها فإنها محرمةٌ آنذاك قطعًا.
(1) - (نيل الأوطار: 12/ 18) .
(2) - (نيل الأوطار: 12/ 18) .