الصفحة 3 من 60

عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والتعارض والتناقض إنما هو من شأن البشر الذين يعرض لهم الجهل والنسيان والغفلة والقصور، وتعالى الله عن هذه النقائص -وعن كل نقص- علوًا كبيرًا وهو الذي أحاط بكل شيء علمًا وأحصى كل شيء عددًا: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [1] } ولهذا أنكر الله حال الذين يقرءون كتابه المحكم المفصل المتقن المُبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ثم هم مع ذلك كله يتمادون في كفرهم ويصرون على ضلالهم فقال: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [2] ، ووصف سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بأنها وحيٌ يوحى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [3] ، وقال سبحانه: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} [4] ، وقال جل وعز: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [5]

فالمقصود أن ما قد يتوهم من وقوع تعارض بين الأدلة في هذه المسألة أو غيرها إنما هو من جهة الناظر إليها لا من حيث أصلها، ومن هنا فقد أوجب العلماء على كل من يبحث مسألة أن يستفرغ وسعه في استيعاب أدلتها واستقصائها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وبه يتم له السداد غالبًا، ويقل خطؤه عند الترجيح، ويرفع عنه الحرج عند الخطأ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإن حكم واجتهد فأخطأ فله أجر] [6] والله تعالى أعلم.

وملخص الأقوال في هذه المسألة يمكن إرجاعه وحصره في مذهبين أساسيين، وهما كالأصول لما سواها، ومن ثَم يتفرع عنهما اختيارات أخرى تندرج عمومًا بصورةٍ ما فيهما، وقبل الشروع في ذكرهما وحجج أربابهما نشير إلى أن المسألة التي نبحثها هنا هي خاصة بالاستعانة بالكفار في الحرب، ولن نتطرق إلى مطلق الاستعانة إلا

(1) - (الأنعام59) .

(2) - (النساء82) .

(3) - (النجم3 - 4) .

(4) - (النساء105) .

(5) - (المائدة67) .

(6) - متفق عليه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت