يكتب لك؟ لا تدنهم إذ أقصاهم الله، ولا تأمنهم إذ أخانهم الله، ولا تعزهم بعد إذ أذلهم الله فأخرجه] [1] ، وهكذا كان أئمة المسلمين وأولو الأمر منهم يحتاطون لهم ويصونون أسراراهم، فقد أبعد هذا الكاتب لئلا يطلع على خفايا أمورهم وخبايا شئونهم، وذلك لأن الكتابة شأنها عظيم في الإمارة والسياسة، فأين هذا ممن ألقى حبل الثقة على الغارب مغررا بالمسلمين ومتملقًا للكفرة المجرمين فراح يولي النصارى المناصب ويكل إليهم المهام، ويجعلهم من المرشحين والمنتسبين إلى جماعته الإسلامية.
ومن الآثار أيضًا أن خالدًا رضي الله عنه كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: [إن بالشام كاتبا نصرانيا لا يقوم خراج الشام إلا به، فكتب إليه: لا تستعمله، فكتب: إنه لا غنى بنا عنه، فكتب إليه عمر: لا تستعمله، فكتب إليه: إذا لم نوله ضاع المال، فكتب إليه عمر رضي الله عنه: مات النصراني، والسلام] [2]
ومن ذلك ما رواه ابن سعد في الطبقات عن أبي هلال الطائي عن أسق قال: [كنت مملوكًا لعمر بن الخطاب وأنا نصراني، فكان يعرض علي الإسلام ويقول إنك لو أسلمت استعنت بك على أمانتي، فإنه لا يحل لي أن أستعين بك على أمانة المسلمين، ولست على دينهم، فأبيت عليه، فقال: «لا إكراه في الدين» ، فلما حضرته الوفاة أعتقني وأنا نصراني، وقال اذهب حيث شئت.]
وإليه ذهب الحنفية، والشافعية، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية أيضًا عن الإمام أحمد وذلك عند الحاجة ومع بعض الشروط المتفرقة والتي سنذكرها فيما بعد إن شاء الله، واستدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية:
الأول: عن ذي مخبر قال: [سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستصالحون الروم صلحا وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم] [3]
الثاني: عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه أدراعا يوم حنين فقال أغصب يا محمد؟ فقال:"لا بل عارية مضمونة"] [4]
الثالث: شهود صفوان بن أمية غزوة حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه كان مشركًا، كما جاء في كتب السير وغيرها لما اشتد القتل وظن أهل الريب من القرشيين أن الدائرة ستكون على المسلمين: [صرخ كلدة بن الحنبل: ألا
(1) - أخرجه البيهقي واللفظ له، وأحمد، وابن أبي حاتم، وصحح شيخ الإسلام إسناده في (مجموع الفتاوى: 25/ 326) ، و (اقتضاء الصراط المستقيم: 1/ 50) .
قلت: وقد يفهم من استدلال عمر رضي الله عنه بآية النهي عن مولاة اليهود والنصارى في هذه الحادثة أن من المولاة ما لا يكون كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وإنما هو معصية من المعاصي، خلافًا لما ذهب إليه بعض المعاصرين من أن المولاة ليس فيها ما هو دون الكفر الأكبر بحال.
(2) - (مجموع الفتاوى28/ 643) ،وبعضهم يجعل صاحب القصة مع عمر ليس خالدًا.
(3) - رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم وغيرهم، وصححه الشيخ الألباني في (صحيح الجامع: 5925) .
(4) - رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبيهقي، وصححه الشيخ الألباني في (السلسلة الصحيحة: 631) .