الرابع: عن أَنَسِ بن مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللّه ? قال: [لاَ تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ وَلاَ تَنْقُشُوا خَوَاتِيمَكُمْ عَرَبِيًّا] [1]
وقد فسر بعضهم الاستضاءة بنار المشركين بأنه استشارتهم في الأمور كما جاء في سنن البيهقي وغيرها عن الأزهر بن راشد البصري قال: كان أنس بن مالك رضي الله عنه يحدث أصحابه، فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو أتوا الحسن ففسر لهم، فحدثهم ذات يوم قال: فذكر الحديث ... فأتوا الحسن فقالوا: إن أنسًا حدثنا اليوم بحديث لا ندري ما هو، قال وما حدثكم فذكروه، قال: نعم أما قوله: لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا؛ فإنه يقول لا تنقشوا في خواتيمكم محمدًا، وأما قوله: لا تستضيئوا بنار المشركين؛ فإنه يقول لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا"]، وفي التاريخ الكبير للإمام البخاري قال الحسن البصري في معنى الحديث: [نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعان بالمشركين على شيء، وأن ينقش في خاتمه اسم محمد] ، وقد استبعد الإمام ابن كثير تفسير الاستضاءة بنار المشركين باستشارتهم فقال: [وأما الاستضاءة بنار المشركين فمعناه لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم وهاجروا من بلادهم، ولهذا روى أبو داود لا تتراءى ناراهما، وفي الحديث الآخر من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله، فَحمْلُ الحديثِ على ما قاله الحسن رحمه الله والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر] [2] .
وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله: [وفسر قوله: «لا تستضيئوا بنار المشركين» ، يعني: لا تستنصحوهم ولا تستضيئوا برأيهم، والصحيح أن معناه: مباعدتهم وعدم مساكنتهم، كما في الحديث الآخر: «أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين، لا تراآى نارهما» .] [3]
وأما الآثار التي وردت بالنهي عن الاستعانة بالمشركين، فبعضها ليس صريحًا ولا خاصًا بأمر الحرب، إلا أن تعميم المنع ليشمل عدم الاستعانة بهم في أمور الحرب قد يعد من باب الأولى، وذلك لشدة خطورتها، وعظم ضررها، وأشهرها ما جاء عن أبي موسى -رضي الله عنه-: [أن عمر رضي الله عنه أمره أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان لأبي موسى كاتب نصراني يرفع إليه ذلك، فعجب عمر رضي الله عنه وقال: إن هذا لحافظ، وقال إن لنا كتابا في المسجد، وكان جاء من الشام فادعه فليقرأ، قال أبو موسى: إنه لا يستطيع أن يدخل المسجد، فقال عمر رضي الله عنه أجنبٌ هو؟! قال: لا بل نصراني، قال فانتهرني وضرب فخذي، وقال أخرجه وقرأ: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين» ، قال أبو موسى: والله ما توليته إنما كان يكتب، قال: أما وجدت في أهل الإسلام من
(1) - أخرجه أحمد، والنسائي، والبيهقي، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع.
(2) - (تفسير ابن كثير: 1/ 399) .
(3) - (أحكام أهل الذمة: 1/ 71) .