الصفحة 22 من 60

اضطربت أقوال العلماء-رحمهم الله- اضطرابًا كبيرًا في كيفية الجمع والتوفيق بين الأدلة الصريحة الصحيحة التي تمنع من الاستعانة بالمشركين على المشركين وبين الأدلة التي يُفهم منها خلاف ذلك، والتي اعتمدها بعضهم في القول بالجواز - بحسب الشروط المذكورة آنفًا- وسأحاول في هذا الموطن ذكر معظم أقوالهم ومذاهبهم واختياراتهم التي اطلعت عليها مما قصدوا الجمع به بين الأدلة مع مناقشة ما يحتاج إلى مناقشة حتى نخلص إلى ما يظهر رجحانه وقوته ومن الله وحده العون.

القول الأول: أن أدلة النهي عن الاستعانة بالمشركين منسوخة، وعليه فإن حكمها قد رفع بورود بعض الحوادث المتأخرة التي تدل على جواز الاستعانة بهم، وقد صرح بعض العلماء بمسألة النسخ واستعمل هذا اللفظ بعينه، وعبر عنه بعضهم بأن ذلك كان في وقت خاص، والحصيلة واحدة والمعنى متفق.

وممن جعل القول بالنسخ هو أحد احتمالات أوجه الجمع بين أدلة النهي والجواز الإمام الشافعي -رحمه الله - حيث قال: [الذى روى مالك كما روى رد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركًا أو مشركين في غزاة بدر وأبى أن يستعين إلا بمسلم، ثم استعان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدر بسنتين في غزاة خيبر بعدد من يهود بنى قينقاع كانوا أشداء، واستعان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك، فالرد الأول إن كان لأن له الخيار أن يستعين بمسلم أو يرده كما يكون له رد المسلم من معنى يخافه منه، أو لشدة به فليس واحد من الحديثين مخالفًا للآخر، وإن كان رده لأنه لم ير أن يستعين بمشرك، فقد نسخه ما بعده من استعانته بمشركين، فلا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعا] [1]

وقال العلامة الألوسي -رحمه الله-: [وما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لبدر فتبعه رجل مشرك كان ذا جراءة ونجدة ففرح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأوه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع فلن أستعين بمشرك» فمنسوخ بأن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم، واستعان بصفوان بن أمية في هوازن] [2]

وقال الإمام ابن حجر -رحمه الله-: [قال المهلب وغيره: لا يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم «لا نستعين بمشرك» ؛ لأنه إما خاص بذلك الوقت، وإما أن يكون المراد به الفاجر غير المشرك ... ، وأجاب عنه الشافعي بالأول، وحجة النسخ شهود صفوان بن أمية حنينا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشرك وقصته مشهورة في المغازي] [3]

مناقشة للقول

(1) - (الأم: 4/ 276) ، وقال المارودي -رحمه الله- في أجوبته عن أدلة المانعين للاستعانة: [أنه قد استعان بهم بعد بدر فكان ما تأخر قاضيا على ما تقدم] (الحاوي الكبير: 14/ 279) .

(2) - (تفسير الألوسي: 2/ 477) .

(3) - (فتح الباري: 9/ 301) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت