الصفحة 23 من 60

النسخ عرفه صاحب مراقي السعود بقوله:

رَفْعٌ لحكمٍ أو بيان الزمن ... بمحكمِ التنزيلِ أو بالسننِ.

فهو رفعٌ لحكمٍ سابق بحكم لاحق تعذر الجمع بينهما، فلا بد فيه إذًا من معرفة اللاحق وتحقق التعارض، إضافة إلى العجز عن الجمع بين الحكمين بطريقة من طرق الجمع المعروفة والتي يتم بها إعمال كلا الدليلين، كما قال صاحب المراقي في ذلك:

والجمع واجب متى ما أمكنا ... إلا فللأخير نَسْخٌ بُيِّنا

ففي كلامهم الذي نقلته آنفًا، نصوا على أن الناسخ لمنع الاستعانة دليلان:

الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع في غزوة خيبر.

الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم استعان بصفوان بن أمية يوم حنين.

وبما أن غزوتي خيبر وحنين متأخرتان عن غزوة بدرٍ وهي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم «لن أستعين بمشرك» ، فإن استعانته صلى الله عليه وسلم فيهما بالمشركين قد نسخت هذا النهي الذي ثبت في غزوة بدر، هكذا هو تقريرهم لمسألة النسخ هنا، ولكن بالتأمل والنظر لا يظهر أن في هذا الكلام مَقنعًا؛ لأن الأدلة التي جعلوها ناسخة لا يثبت بها حكمُ الاستعانة ثبوتًا مستقلًا ابتداءً فضلًا عن القول بأنها ناسخة ورافعة لحكمٍ متقرر ثابت متيقنٍ بأدلة تنهى عن الاستعانة بالمشركين، وبيان ذلك:

أن قصة استعانته صلى الله عليه وسلم بيهود بني قينقاع ضعيفة فلا تقوم بها حجة، كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم، وهي من مراسيل الزهري التي قال فيها عدد من العلماء هي كالريح، بل إن الإمام الشافعي -رحمه الله - نفسه يقول: [يقولون نحابي، ولو حابينا أحدا لحابينا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء؛ ذلك أن نجده يروي عن سليمان بن أرقم] [1] ، وقد ذكرت أقوال العلماء في هذا الأثر وكلامهم عليه أعلاه، فلينظر.

ولهذا قال الإمام ابن المنذر -رحمه الله-: [وأما ما ذكره الشافعي من خبر يهود بني قينقاع، فليس مما يقوم به حجة؛ لأنا لا نعلمه ثابتا، ولعله أخذ ذلك من أخبار المغازي، وعامة أخبار المغازي لا تثبت من جهة الإسناد] [2]

وأما استعانته صلى الله عليه وسلم بصفوان بن أمية، فالثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار أدرعًا من صفوان بن أمية يوم حنين، وهذا وإن كان نوعًا من الاستعانة فالكلام ليس عليه، إذ أقصى ما يمكن أن يقال فيه إن هذا النوع مستثى من النهي فهو في الاصطلاح تخصيص لا نسخ.

أما استعانته بصفوان نفسه في القتال، وطلبه الخروج معه لذلك فهذا وإن كان مشهورًا في كتب السير والمغازي إلا أنه لا يثبت ثبوتًا تقوم به حجة، نعم .. خرج صفوان بن أمية طوعًا من عند نفسه -وقد كان إذ

(1) - (جامع التحصيل: 90) .

(2) - (الأوسط: 10/ 36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت