ذاك مشركًا- لينظر لمن تكون الغلبة وعلى من تقع الدائرة، ولم يشارك في قتال، ولم يَدْعُه أحدٌ للمشاركة فيه أصلًا، ومع كفره وشركه فقد تألفه النبي صلى الله عليه وسلم بكثير من العطايا حتى دخل الإسلام في قلبه، قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: [وأما المؤلفة قلوبهم فأقسام: منهم من يعطى ليسلم، كما أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صفوان بن أمية من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركا، قال فلم يزل يعطيني حتى صار أحب الناس إلي بعد أن كان أبغض الناس إلي] [1] ، وهذا يدل على أنه حين فَصَل للاطلاع على المعركة كان مشركًا، إلا أنه لم يخرج مقاتلًا ولا مستعانًا به.
وفي صحيح مسلم وغيره: أَنَّ صَفْوَانَ قال: والله لقد أَعْطَانِي رسول اللَّهِ ما أَعْطَانِي وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ الناس إلي فما بَرِحَ يُعْطِينِي حتى إنه لَأَحَبُّ الناس إلي.
وعلى هذا فإن هذه الأدلة التي ساقوها محتجين بها على جواز الاستعانة أولًا وعلى نسخها للأدلة المانعة ثانيًا لا تصلح دليلا على الاستعانة أصلًا فكيف تعارض أدلة المنع الصريحة الصحيحة حتى تنسخها؟!.
وليس القول بالنسخ هينًا حتى يصار إليه من غير تثبتٍ ولا تروٍ ولا تحققٍ لشروطه، فهو في حقيقته إلغاء لحكمٍ شرعيٍ قررته الأدلة، وإسقاط له عن عهدة التكليف وتبرءة للنفس من تبعاته، وما كان كذلك فشأنه ليس يسيرًا، ولهذا فهو آخر ما يلجأُ إليه العلماء بعد استفراغ الوسع وبذل الجهد في جمع الأدلة ومحاولة التوفيق بينها ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.
قال الإمام الطبري -رحمه الله-: [إن شيئًا من أحكام الله تبارك وتعالى التي أثبتها في كتابه أو بيَّنها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، غير جائز فيه أن يقال له ناسخ لحكم آخر، أو منسوخ بحكم آخر، إلا والحكمان اللذان قضى لأحدهما بأنه ناسخ والآخر بأنه منسوخ ناف كل واحد منهما صاحبه، غيرُ جائز اجتماع الحكم بهما في وقت واحد بوجه من الوجوه] [2]
القول الثاني: أن الكفار إذا خرجوا مع جيش المسلمين من غير طلب ولا إذن جاز وإلا فلا، وحاصل هذا الكلام حمل أدلة المنع التي تنهى عن الاستعانة بالمشركين على طلب ذلك منهم، أو الإذن لهم، وعليه فلا يجوز طلب الإعانة من المشركين في القتال، فأما إن خرجوا ضمن الجيش من تلقاء أنفسهم تبرعًا وتطوعًا فلا يعد هذا من الاستعانة فلا يشمله النهي.
قال ابن رشد: [قول ابن القاسم لا أحب للإمام أن يأذن لهم في الغزو دليل على أنهم إن لم يستأذنوه لم يجب عليه أن يمنعهم، وعلى هذا يحمل غزو صفوان بن أمية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا والطائف] [3]
(1) - (تفسير ابن كثير: 2/ 366)
(2) - (تفسير الطبري: 7/ 12) .
(3) - (التاج والإكليل: 3/ 352) .