الصفحة 25 من 60

وقال الخرشي عند قول خليل في مختصره «واستعانة بمشرك» : [يعني أنه يحرم علينا أن نستعين بكافر في الجهاد، إلا أن يكون خادما لنا في هدم، أو حفر، أو رمي منجنيق، وما أشبه ذلك، والسين للطلب، فالممنوع طلب إعانتهم، وحينئذ فمن خرج من تلقاء نفسه لا يحرم علينا معاونته، وهو ظاهر سماع يحيى خلافا لأصبغ] [1]

وقال الإمام الطحاوي-رحمه الله-: [إن ما رويناه من قصة صفوان، ليس بمخالف لما رويناه في سواها في هذا الباب من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أستعين بمشرك» ؛ لأن قتال صفوان كان معه صلى الله عليه وسلم، لا باستعانة منه إياه في ذلك، ففي هذا ما يدل على أنه إنما امتنع من الاستعانة به وبأمثاله، ولم يمنعهم من القتال معه باختيارهم لذلك، وكان تركه صلى الله عليه وسلم الاستعانة بهم محتملا أن يكون من قول الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا» فكانت الاستعانة بهم اتخاذه لهم بطانة، ولم يكن قتالهم معه بغير استعانة منه بهم اتخاذا منه إياهم بطانة] [2]

وما نقلته آنفًا عن الإمام الشافعي من قوله: [فلا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعا] ، يحتمل أن يكون من هذا الباب، وهو أن الاستعانة المنهي عنها إنما هي في طلبها من الكفار لا إن خرجوا في جيش الإسلام تطوعًا من عند أنفسهم، ويحتمل أن يقصد بقوله «إذا خرجوا طوعا» أي خرجوا مختارين وليسوا مكرهين على الخروج للقتال، كما لو كان المستعان بهم أهل ذمة فلا يجوز للإمام أن يجبرهم ويلزمهم الخروج معه لقتال الكفار.

فهنا أمران: الأول حرمة الاستعانة وهي طلب العون من الكفار لقتال الكفار كما نقلته عن بعض علماء المالكية، والإمام الطحاوي.

والثاني: حرمة الإذن لمن جاء منهم مستأذنًا في ذلك، كما هو عند بعض علماء المالكية.

فأما إن تطوع الكافر للقتال اختيارًا من غير استعانة به ولا إذن له فهي الصورة الجائزة لديهم، ودليلها عندهم قصة خروج صفوان بن أمية يوم حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن كما ذكرت من قبل، فإن قصة خروج صفوان بن أمية يوم حنين لأجل القتال لا تثبت، فهو لم يخرج من بيته مقاتلًا، ولم يُروَ عنه أنه قاتل في هذه الغزوة لا باستعانة ولا إذن ولا غيرهما، ومجرد وجوده ومشاهدته للمعركة لا يستلزم ذلك، وعليه فلا يصح تأسيس الحكم على دليل كهذا، فيبقى النهي عن الاستعانة عامًا إلا ما خصه الدليل منها.

وسيأتي مزيد بحث للمسألة عند محاولة الترجيح إن شاء الله، وإنما المقصد الآن هو المرور على الطرق التي حاول العلماء -رحمهم الله- أن يجمعوا بها بين الأدلة.

(1) - (شرح مختصر خليل للخرشي: 9/ 465) .

(2) - (مشكل الآثار: 6/ 72) ، وعنده نحو هذا في: (معتصر المختصر: 1/ 229) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت