الصفحة 26 من 60

ونشير هنا إلى أن الحافظ ابن حجر -رحمه الله- لم يرتضِ صنيع الطحاوي في طريقة الجمع هذه ورد ذلك قائلا: [وقال الطحاوي: قصة صفوان لا تعارض قوله: «لا أستعين بمشرك» ؛ لأن صفوان خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم باختياره لا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك، قلت: وهي تفرقة لا دليل عليها ولا أثر لها؛ وبيان ذلك أن المخالف لا يقول به مع الإكراه، وأما الأمر فالتقرير يقوم مقامه] [1]

ولا يخفى أن محل المنع فيما لو عَلِم الإمام بخروج من خرج من المشركين في الجيش بغير إذنه ولا طلبه، وأما لو خرج المشرك وشارك في القتال بغير إذن الإمام ولا علمه فلا شيء في ذلك، ودليل ذلك ما راوه الإمام أحمد رحمه الله عن أبي هريرة أنه كان يقول: [حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط، فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو؟ فيقول: أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش، فقلت لمحمود بن لبيد كيف كان شأن الأصيرم قال: كان يأبى الإسلام على قومه فلما كان يوم أحد وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد بدا له الإسلام فأسلم، فأخذ سيفه فغدا حتى أتى القوم فدخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فبينا رجال بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، قالوا والله إن هذا لَلأصيرم، وما جاء به؟! لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث، فسألوه ما جاء به، فقالوا: ما جاء بك يا عمرو أحدبا على قومك أو رغبة في الإسلام فقال بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلت حتى أصابني ما أصابني، فلم يلبث أن مات في أيديهم فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنه لمن أهل الجنة] قال الهيثمي: رجاله ثقات، والشاهد من القصة أن بني عبد الأشهل لم يعرفوا أن الأصيرم قد خرج معهم ولا أنه أسلم إلا بعد انتهاء المعركة، ولهذا فحينما رآه بعض الصحابة يريد القتال معهم ولم يعلموا بإسلامه أمروه بالابتعاد عنهم، وهذا مما يقوي أن الصحابة كان قد استقر عندهم عدم الاستعانة بالكافر سواء جاء طوعًا من نفسه أم طلبًا من المسلمين، فقد قال الإمام ابن حجر -رحمه الله-: [وقد وقع من وجه آخر عن أبي هريرة سببُ مناضلته عن الإسلام فروى أبو داود من وجه آخر، والحاكم، وغيرهما، من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن عمرو بن أقيش كان له ربا في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه فجاء في يوم أحد، فقال: أين بنو عمي، قالوا بأحد، قال بأحد؟! فلبس لأمته، وركب فرسه، ثم توجه قبلهم، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو، قال: إني قد آمنت، فقاتل حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحا، فجاءه سعد بن معاذ فقال لأخته سليه حمية لقومه أو غضب لله ولرسوله؟ فقال بل غضب لله ورسوله، فمات فدخل الجنة وما صلى لله صلاة، هذا إسناد حسن، ويجمع بينه وبين الذي قبله بأن الذين قالوا أولًا إليك عنا قوم من المسلمين من غير قومه بني عبد الأشهل، وبأنهم لما وجدوه في المعركة حملوه إلى بعض أهله، وقد تعين في الرواية الثانية من سأله عن سبب قتاله] (الإصابة 4/ص609) .

(1) - (فتح الباري: 9/ 301) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت