فحينما ظن المشركون أن عمرًا لا يزال على شركه -مع أنه جاء متطوعًا من غير طلب - ردوه وأمروه بالابتعاد عن عسكرهم وقالو له: [إليك عنا يا عمرو] ، وبمجرد أنه أخبرهم أنه قد آمن سكتوا عنه ولم يمنعوه أو يدفعوه فَعلِم أنه لا فرق في معنى الاستعانة المنهي عنها بين من طُلب منه ذلك، وبين من جاء من تلقاء نفسه وأن الجميع يمنعون ويبعدون، وأن مدار الإذن من عدمه على وجود الإيمان فحسب.
القول الثالث: أن أمر الاستعانة راجع إلى اجتهاد الإمام، فالامتناعُ منها وفعلُها كل ذلك بحسب ما يؤدي إليه نظره وتحريه وتوخيه الأصلح، وتحصيله للأنفع.
وفي هذا يقول الإمام الشافعي -رحمه الله- كما نقلناه قبلًا: [الذى روى مالك كما روى رد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركًا أو مشركين في غزاة بدر وأبى أن يستعين إلا بمسلم، ثم استعان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدر بسنتين في غزاة خيبر بعدد من يهود بنى قينقاع كانوا أشداء، واستعان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك، فالرد الأول إن كان لأن له الخيار أن يستعين بمسلم أو يرده كما يكون له رد المسلم من معنى يخافه منه، أو لشدة به فليس واحد من الحديثين مخالفًا للآخر] [1]
وقال الإمام ابن حجر وهو يعدد بعض طرق الجمع بين أدلة المسألة: [ومنها: أن الأمر فيه إلى رأي الإمام] [2]
القول الرابع: أن الاستعانة جائزة بأهل الكتاب فقط، لا بالمشركين عبدة الأوثان أو مَن سواهم، وقد ذهب إلى هذا القول الإمام الطحاوي -رحمه الله- فقال: [لأن اليهود الذين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى قتال أبي سفيان معه ليسوا من المشركين الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآثار الأُوَل إنه لا يستعين بهم، أولئك عبدة الأوثان، وهؤلاء أهل الكتاب الذين ذكرنا مباينة ما هم عليه، وما عبدة الأوثان عليه في الباب الذي قبل هذا الباب؛ لأن هؤلاء أهل الكتاب الذين نجتمع نحن وهم في الإيمان بما يؤمنون به من كتب الله عز وجل التي أنزلها على من أنزلها عليه من أنبيائه، ونؤمن نحن وهم بالبعث من بعد الموت، وأولئك الآخرون لا يؤمنون بشيء من ذلك، فنحن وهؤلاء الكتابيون في قتال عبدة الأوثان يد واحدة، والغلبة لنا؛ لأنا الأعلون عليهم، وهم تباع لنا في ذلك، وهكذا حكمهم إلى الآن عند كثير من أهل العلم، منهم أبو حنيفة وأصحابه، يقولون: لا بأس بالاستعانة بأهل الكتاب في قتال من سواهم إذا كان حكمنا هو الغالب، ويكرهون ما سوى ذلك إذا كانت أحكامنا بخلاف ذلك، ونعوذ بالله من تلك الحال.] [3]
(1) - (الأم: 4/ 276) .
(2) - (الفتح: 9/ 301) ، وهو بنصه عند الإمام الشوكاني: (نيل الأوطار: 12/ 18) ، وقد رادا هذا القول بأن النهي عام؛ حيث جاء نكرة في سياق النفي.
(3) - (مشكل الآثار: 6/ 73) .