قال الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي -رحمه الله-: [وقال أصحابنا: لا بأس بالاستعانة بالمشركين على قتال غيرهم من المشركين إذا كانوا متى ظهروا كان حكم الإسلام هو الظاهر، فأما إذا كانوا لو ظهروا كان حكم الشرك هو الغالب فلا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا معهم.] [1]
وقال أيضًا في قوله تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا} [2] :[قيل في معنى قوله: «أولياء من دون المؤمنين» أنهم اتخذوهم أنصارا وأعضادا؛ لتوهمهم أن لهم القوة والمنعة بعداوتهم للمسلمين بالمخالفة جهلا منهم بدين الله، وهذا من صفة المنافقين المذكورين في الآية، وهذا يدل على أنه غير جائز للمؤمنين الاستنصار بالكفار على غيرهم من الكفار؛ إذا كانوا متى غلبوا كان حكم الكفر هو الغالب، وبذلك قال أصحابنا.
وقوله: «أيبتغون عندهم العزة» يدل على صحة هذا الاعتبار، وأن الاستعانة بالكفار لا تجوز، إذا كانوا متى غلبوا كان الغلبة والظهور للكفار، وكان حكم الكفر هو الغالب.] [3]
ولا يخفى على أحد مدى أهمية هذا الشرط، ووجوب مراعاته مراعاة تامة، لأن إهماله والتساهل في التقيد به، يؤدي إلى خلاف مقصد الاستعانة، فيكون حال المستعين في ذلك كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا.
إذ إن المطلوب الأول - عند من أجازها - هو التقوي بهؤلاء الكفرة لإعزاز الدين، وعلوِّ كلمة الحق، وانقهار الشرك، وانقماع أهله، فإذا كانت الاستعانة بالكفار على إخوانهم الكفار ستكون سببًا في تقوي الكفر ببعضه، وتسلط أربابه على المسلمين، والحيلولة دون غلبة حكم الإسلام، ومنْعِ أن يكون الدين كله لله، فما فائدة تلك الاستعانة أذًا.
وكم من الجماعات التي تساهلت في هذا الأمر -وهي قادرة على عدم الوقوع فيه-، ولم تراعِ هذا الشرط بل لم تلتفت إليه أصلًا، وانشغلت بأعباء المعركة وضخامتها وانكبت على مشكلاتها، ولم تولِ عنايةً لمكائد أعدائها الذين يتظاهرون بمد يد العون لها، وبالغت في إحسان الظن بهم، وتوسعت في مسألة الاستعانة بدعوى الحاجة إلى خبراتهم وطاقاتهم وإمكاناتهم، وأن ذلك كله لا يخرج عن كونه «تقاطع مصالح» يُستفاد منها، حتى إذا اقترب النصر، ولاحت مخايل الظفر، ودنى وقت جني الثمر؛ كشر أولئك الأعداء عن أنيابهم، وبرزوا على حقيقتهم، وراحوا يعيثون في الجهاد فسادًا جهارًا بعد أن كانوا يفسدونه إسرارًا، فصاروا أعداءً مفضوحين مكشوفين، وقد كانوا -زعمًا- معاونين مساندين، فضاعت الجهود وتشتت الطاقات وجنى الثمرةَ غيرُ أهلها، وما ذلك إلا بسبب التهاون في مبدأ الأمر، والاغترار بمصالح مغرية مؤقتة والغفلة عن مفاسد عظمى ملازمة لهذه المصالح أو مؤدية إليها فكانت الكارثة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(1) - (أحكام القرآن: 6/ 78) .
(2) - (النساء: 138 - 139)
(3) - (أحكام القرآن: 5/ 261) .