الشرط الرابع: وجود الحاجة الحقيقية للاستعانة، فقد ذكر كثيرٌ من الفقهاء القائلين بجواز الاستعانة أنه لا بد من تحقق الحاجة إليها، وإلا بأن لم تدع حاجةٌ إلى ذلك فلا يجوز.
قال الإمام النووي -رحمه الله-: [وقال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين، ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به، وإلا فيكره] [1]
وقال العلامة الألوسي -رحمه الله-: [وذكر بعضهم جواز الاستعانة بشرط الحاجة والوثوق أما بدونهما فلا تجوز وعلى ذلك يحمل خبر عائشة] [2]
وقال الحازمي -رحمه الله-: [وذهبت طائفة إلى أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه، ويستعين بهم بشرطين: أحدهما: أن يكون في المسلمين قلة بحيث تدعو الحاجة إلى ذلك ... ] [3] ، وقول الحازمي: «أن يكون في المسلمين قلة» هو بيان لبعض صور الحاجة التي تجوز معها الاستعانة عند القائلين بها، ولكن لا بد من التنبه إلى أنه ليس مطلق القلة يُعد حاجةً، بل هي كما قيدها بأنها القلة التي يحتاج معها إلى الاستعانة بهم.
وقال الإمام الشوكاني- رحمه الله: [وأما الإستعانة بالكفار على الكفار فقد وقع ذلك منه صلى الله عليه وسلم في غير موطن، ووقع منه الرد لمن أراد إعانته من المشركين على قتال المشركين، وقال لهم إنه لا يستعين بمشرك، ويمكن الجمع بأن الجواز مع الحاجة ورجاء النفع والرد مع عدمهما أو أحدهما فيكون ذلك مفوضا إلى نظر الإمام] [4]
ولعل بعض العلماء عبر عن الحاجة بوجود فائدة من تلك الاستعانة كما قال الإمام ابن العربي المالكي -رحمه الله-: [ ... والصحيح منعه لقوله عليه السلام إنا لا نستعين بمشرك، وأقول إن كانت في ذلك فائدة محققة فلا بأس به] [5] ، وقد يعد هذا قولًا مستقلًا، ويحمل معنى الفائدة المحققة على المصلحة الظاهرة المؤكدة والله أعلم.
الشرط الخامس: أن يكون المُستعان بهم مأمونين، وهذا الشرط يقارب الشرط الأول وليس إياه، ولهذا جمع بينهما بعض العلماء وعدهما شيئًا واحدًا كما جاء في حواشي الشرواني وغيره من كتب الشافعية: [إنما تجوز
(1) - (شرح مسلم: 6/ 280) .
(2) - (تفسير الألوسي: 2/ 477) .
(3) - (نصب الراية: 8/ 239)
(4) - (السيل الجرار: 4/ 521) ، وكون الأمر مفوضًا إلى رأي الإمام هو عين القول الذي رده الإمام الشوكاني في موضع آخر محتجًا بأن النهي عن الاستعانة نكرة في سياق النفي تفيد العموم والتفويض يخالف ذلك انظر: (نيل الأوطار: 12/ 18) .
قلت: وما أكثر المواضع التي تجد فيها إماما من الأئمة يحتج بدليل في موطن أو يوجهه توجيهًا ما ثم ينقض ذاك الدليل ويرد التوجيه نفسه في مكان آخر، ومثل هذا مما ينبغي أن يغرس الورع في قلب الإنسان ويحمله على التأني والتريث فلا يبادر إلى رمي التهم لعالم من العلماء خالف نفسه في مسألة من المسائل أو رد على قوله فيها، فتجد بعض المتسرعين يحمل مثل هذا الفعل على أسوأ المحامل، وربما كان التماس العذر سهل المنال ولا يحتاج إلى تكلف وجهد ومع ذلك فلا حرج عنده من وصم ذلك العالم بالتلاعب بالشرع، والانجرار وراء الأهواء والله المستعان.
(5) - (أحكام القرآن: 1/ 351) .