الصفحة 18 من 60

الاستعانة بهم بشرطين: أحدهما ما ذكره بقوله تؤمن خيانتهم، قال في الروضة وأن يعرف حسن رأيهم في المسلمين، والرافعي جعل معرفة حسن رأيهم مع أمن الخيانة شرطا واحدا] [1]

ولكن بالتأمل يظهر أن بينهما فرقًا ولو كان دقيقًا، فالأمانة تقابلها الخيانة، وحسن الرأي والنصح، يقابله التدليس والغش، وعلى كل حال فالمقصود من هذا الشرط أن يكون الكافر الذي يُستعان به موثوقًا مأمونًا، لا يبتهل أول فرصة ليخون، ولا يترقب أدنى سبب ليغدر، فتطمئن النفس إليه، ويأمن المسلمون جانبه، والأمانة المشترطة هنا هي فيما يتعلق بأمر الجيش والمجاهدين، وليست الأمانة المطلقة، فقد يكون الكافر معروفًا بالصدق، ومشتهرًا بالأمانة في بيعه وشرائه وسائر معاملاته، ولكنه شديد العداوة للمسلمين، عظيم الحنق عليهم، يتحين كل لحظة لإيقاع أعظم الضرر بهم، فمثل هذا لا يشمله هذا الشرط ولا يجوز الاستعانة به، فأمانته في معاملاته لا تشفع له لتجويز الاستعانة به في الجهاد.

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- عند عده لفوائد صلح الحديبية: [ومنها: أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة لأن عينه الخزاعي كان كافرا إذ ذاك وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم.] [2]

وقال الإمام السرخسي-رحمه الله- عند ذكره لبعض الاحتمالات التي رد لأجلها النبي صلى الله عليه وسلم من جاءه من المشركين مريدًا القتال معه: [وقيل: كان يخاف الغدر منهما لضعف كان بالمسلمين يوم بدر؛ كما قال الله تعالى: «ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة» ، وإذا خاف الإمام ذلك فلا ينبغي أن يستعين بهم، وأن يمكنهم من الاختلاط بالمسلمين] [3]

وقال الإمام النووي -رحمه الله-: [الثالثة تجوز الاستعانة بأهل الذمة وبالمشركين في الغزو ويشترط أن يعرف الإمام حسن رأيهم في المسلمين ويأمن خيانتهم] [4]

وقال الحازمي -رحمه الله: [وذهبت طائفة إلى أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه، ويستعين بهم بشرطين: ... والثاني: أن يكونوا ممن يوثق بهم في أمر المسلمين] [5]

الشرط السادس: أن تكون لدى المسلمين قوة تكف شر خيانتهم فيما لو خانوا، وهذا الشرط كالقيد اللازم للذي سبقه، أو هو احتراز لا بد منه، فمع اشتراط أن يكون من يُستعان به مؤمونًا موثوقًا، إلا أن ذلك وحده لا يكفي، ولا يسوِّغ الاتكال على الثقة به اتكالًا كاملًا، بل يتحتم الاحتياط في شأنه، ويلزم أخذ الأهبة لتوقع

(1) - (حواشي الشرواني: 9/ 238) .

(2) - (زاد المعاد: 3/ 267) .

(3) - (المبسوط: 12/ 23) .

(4) - (روضة الطالبين: 4/ 11) .

(5) - (نصب الراية: 8/ 239) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت