غدره وخيانته، بحيث يمكن دفع شره، ومنع ضرره إن حصلت منه، فحتى لو انضمت فرقة الكفار المُستعان بها إلى الذين يقاتلهم المسلمون لأمكنهم قتالهم وردهم جميعًا.
قال الإمام النووي: [وشرط الإمام البغوي وآخرون شرطًا ثالثًا، وهو أن يكثر المسلمون بحيث لو خان المستعان بهم وانضموا إلى الذين يغزونهم لأمكننا مقاومتهم جميعًا] [1]
قال الخطيب الشربيني في شرح المنهاج:[ (وله الاستعانة) على الكفار (بكفار) من أهل الذمة وغيرهم، وإنما تجوز الاستعانة بهم بشرطين: ...
وثانيهما: ما ذكره بقوله: (ويكونون بحيث لو انضمت فرقتا الكفر قاومناهم) ؛ أي إنهم إذا انضموا إلى الفرقة الأخرى أمكن دفعهم، فإن زادوا بالاجتماع على الضعف لم تجز الاستعانة بهم، وشرط العراقيون قلة المسلمين، قال الرافعي: وهذا الشرط وما قبله أي هو مقاومة الفريقين كالمتنافيين؛ لأنهم إذا قلوا حتى احتاجوا لمقاومة فرقة إلى الاستعانة بالأخرى كيف يقدرون على مقاومتهما معًا؟ قال المصنف: ولا منافاة؛ لأن المراد أن يكون المستعان بهم فرقة يسيرة لا يكثر العدد بهم كثرة ظاهرة.
قال: البلقيني: وفيه لين، ثم أجاب بأن الكفار إذا كانوا مائتين مثلا، وكان المسلمون مائة وخمسين، ففيهم قلة بالنسبة لاستواء العددين، فإذا استعانوا بخمسين كافرًا فقد استوى العددان، ولو انحاز هؤلاء الخمسون إلى العدو فصاروا مائتين وخمسين أمكن المسلمين مقاومتهم لعدم زيادتهم على الضعف.] [2]
فأصحاب هذا الشرط من العلماء يوجبون على أمراء الجهاد وأتباعهم أن يكونوا فطنين حذرين، وأن لا يتعاملوا مع أعدائهم الذين يتخللون صفوفهم تعاملَ الغِر الغُمْرِ الأعمى، فيبالغوا في الاطمئنان إليهم، والثقة بهم، والتوسع في ائتمانهم، مع الغفلة عمَّا قد يكونون أضمروه من الخيانة، وأرادوه من الخديعة، ودبروه من المكيدة، حتى إذا حصل ما حصل وجد المجاهدون أنفسهم -وبسبب غفلتهم وتهاونهم- في مصيدة محكمة أعدت لهم، فحوّطهم المستعان بهم والمستعان عليهم وطوقوهم جميعًا، وهم لم يعدوا لمثل هذا الحدث عدته، ولم يأخذوا له أهبته، فأغفلوه وغفلوا عنه، وعندها سيعضون أصابع الحسرة والندامة ولات ساعة مندم، والله وحده المستعان.
الشرط السابع: مخالفة اعتقاد الكفار المستعان بهم لاعتقاد المستعان عليهم، وهذا قد اشترطه الإمام الماوردي من الشافعية كما قال -رحمه الله-: [فإذا ثبت جواز الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين وشروطها بهم فعلى ثلاثة شروط: ... والثالث: أن يخالفوا معتقد المشركين كاليهود مع النصارى وعبدة الأوثان فإن وافقوهم لم يجز] [3] ، وبعض علماء الشافعية جعل اختلاف المعتقد هو سبب أمننا من خيانتهم، كما جاء في حاشية
(1) - (روضة الطالبين: 4/ 11) .
(2) - (مغني المحتاج: 17/ 291) .
(3) - (الحاوي الكبير: 14/ 279) .