الجمل: [ (و) له (استعانة بهم) على كفار عند الحاجة إليها (إن أمناهم) بأن يخالفوا معتقد العدو] [1] ، وتفسيره أن تخالف الاعتقاد يورث العداوة والتضاد في الجملة، فالكفر وإن كان ملة واحدة إلا أن قلوب أهله متنافرة، ترشح بالأحقاد على بعضهم كما قال الله عز وجل في حق أهل الاعتقاد الواحد منهم: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ} [2]
ومع ذلك فدوافع العداوة بين الكفار ليس محصورة في تضاد الاعتقاد وتخالفه، بل قد تكون عداوتهم المبنية على تدافع بعض الأمور الدنيوية أشد وأعظم، ولهذا ترى من الحروب الاستئصالية التي تقع بين الدول النصرانية الكبرى -وهي في دينهم ومعتقدهم سواء- أغلبها مبني على تعارض المصالح، والتنافس على الثروات، فيبيدون بعضهم لأجلها ولا يبالون، فالذي يظهر لي أن ما اشترطه الإمام الماوردي -رحمه الله- ليس مقصودا به خصوص المخالفة في الاعتقاد الديني، وإنما قيام الدواعي القوية على وجود العداوة فيما بينهم والتي تكون سببًا في تنافرهم وتقاتلهم، وهو ما يعرف اليوم بتعارض المصالح، ولكن ينبغي أن يكون هذا الأمر ظاهرًا محققًا مسلَّمًا، وليس مجرد تخيلات وتحليلات.
الشرط الثامن: أن لا يكونوا منفردين برايتهم، بل يقاتلون تحت راية الجيش الإسلامي، فكما شرط بعض العلماء أن تكون أحكام الإسلام هي الجارية عليهم، فكذلك هنا اشترطوا أن لا تكون للكفار المستعان بهم راية ينفردون بها ويستقلون بالقتال تحتها.
قال الإمام السرخسي الحنفي -رحمه الله- في بيان أحد الأسباب المحتملة لرد النبي صلى الله عليه وسلم لحلفاء عبد الله بن أبي يوم أحد: [ ... أو تأويله أنهم كانوا متعززين في أنفسهم، لا يقاتلون تحت راية المسلمين، وعندنا إنما يستعين بهم إذا كانوا يقاتلون تحت راية المسلمين، فأما إذا انفردوا براية أنفسهم فلا يستعان بهم.] [3]
وقال أيضًا: [والذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد رأى كتيبة حسناء، ... تأويله أنهم كانوا أهل منعة، وكانوا لا يقاتلون تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندنا إذا كانوا بهذه الصفة فإنه يكره الاستعانة بهم.] [4]
وكما ترى فإن كلام الإمام السرخسي في الموطنين اشتمل أمرين، يحتمل أن يكونا متلازمين، ويحتمل أن يجعل كل منهما شرطًا مستقلًا يمنع معه الاستعانة بالمشركين، وهما: وجود المنعة، وهذا يعني أن للكفار فئتهم وشوكتهم وقوتهم التي يتظاهرون بها، والثاني: وجود راية مستقلة بهم يقاتلون تحتها دون راية المسلمين.
وقال ابن الهمام الحنفي -رحمه الله-: [ولا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعا ... ولا يكون لهم راية تخصهم] [5]
(1) - (( حاشية الجمل: 21/ 364) .
(2) - (الحشر: 14) .
(3) - (المبسوط: 12/ 23) .
(4) - (شرح كتاب السير الكبير: 1/ 451) .
(5) - (شرح فتح القدير: 5/ 503) ، وليس معنى عدم انفرادهم براية تخصهم ضرورة أن يكونوا مفرقين داخل الجيش الإسلامي، وإنما المقصود أن رايتهم التي يقاتلون تحتها وجماعتهم التي ينتمون إليها لا تشذ عن راية جيش الإسلام ولا تستقل بنفسها عنه، أما وضعهم العسكري الميداني عند الاستعانة بهم فراجع إلى تقدير القادة، فإن رأوا أفردوهم وإن رأوا فرقوهم بحسب المصلحة كما قال الإمام الماوردي -رحمه الله-: [فإذا خرجوا معهم على هذه الشروط اجتهد والي الجيش رأيه فيهم، فإن كان أفرادهم متميزين أصلح لتعلم نكايتهم، أفردهم بحيث يرى أنه أصلح، إما في حاشية العسكر، أو من أمامه، أو من ورائه، وإن كان اختلاطهم بالمسلمين أولى؛ لئلا تقوى شوكتهم خلطهم بهم، فإن العمل بشواهد الأحوال المختلفة أولى من القطع بأحدها.] (الحاوي الكبير14/ 279) .