الدلالة على الحكم همُه بالأمر وطلبه منهم، ولو لم يخرجوا معه ويُعينوه، فالحكم الشرعي يثبت من قِبَلِه لا من قِبَلهم.
قال الطاهر بن عاشور وهو يذكر بعض حجج المجوِّزين للاستعانة: [واحتجوا أيضًا بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أنّ أبا سفيان يجمع الجموع ليوم أحد، قال لبني النضير من اليهود: «إنَّا وأنتم أهل كتاب وإنّ لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر فإمّا قاتلتم معنا وإلاّ أعرتمونا السلاح» ] [1]
السابع: عن ابن عباس قال: [استعان رسول صلى الله عليه وسلم بيهود قينقاع فرضخ لهم ولم يسهم لهم] [2]
وأما الآثار التي استدل بها من جوّز الاستعانة بالكفار في الحرب فمنها:
الأول: عن الحسن بن صالح عن الشيباني: [أن سعد بن مالك رضي الله عنه غزا بقوم من اليهود فرضخ لهم] [3]
الثاني: عن جابر قال: [سألت الشعبى عن المسلمين يغزون بأهل الكتاب؟ فقال الشعبى: أدركت الأئمة الفقيه منهم وغير الفقيه يغزون بأهل الذمة فيقسمون لهم، ويضعون عنهم من جزيتهم، فذلك لهم نفل حسن.] [4]
الثالث: عن القاسم بن محمد: [أن سلمان بن ربيعة غزا بلنجر فاستعان بناس من المشركين فقال: يحمل أعداء الله على أعداء الله.] [5]
(1) - (التحرير والتنوير: 3/ 79) .
(2) - أخرجه البيهقي وقال: تفرد بهذا الحسن بن عمارة وهو متروك ولم يبلغنا في هذا حديث صحيح (السنن الكبرى: 9/ 35) ، وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله: [قوله روي أنه صلى الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع في بعض الغزوات ورضخ لهم، أبو داود في المراسيل، والترمذي عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في حربه وأسهم لهم والزهري مراسيله ضعيفة] (تلخيص الحبير: 4/ 100) .
وقد أرسل إلي بعدُ بعض الفضلاء أن مما يمكن أن يضاف إلى أدلة المجيزين للاستعانة قصة مخيريق اليهودي وهي كما رواها ابن عساكرعن محمد بن بشر بن حميد عن أبيه قال: [سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته بخناصرة سمعت بالمدينة والناس يومئذ بها كثير من مشيخة المهاجرين والأنصار أن حوائط النبي صلى الله عليه وسلم يعني السبعة التي وقف من أموال مخيريق وقال إن أصبت فأموالي لمحمد صلى الله عليه وسلم يضعها حيث أراه الله وقتل يوم أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيريق خير يهود] (تاريخ مدينة دمشق:10/ 229) .
والجواب عن الاستدلال من جهتين: الأولى: الحاجة إلى إثبات صحة الأثر وأن النبي صلى الله عليه وسلم استعان به يوم أحد.
والثانية: أن كثيرا من العلماء ذكروا أن مخيريق ممن أسلم قبل مشاركته في غزوة أحد، فمن هؤلاء العلماء السهيلي حيث يقول: [وقال فيه: مخيريق خير يهود ومخيريق مسلم ولا يجوز أن يقال في مسلم: هو خير النصارى ولا خير اليهود؛ لأن أفعل من كذا إذا أضيف فهو بعض ما أضيف إليه. فإن قيل: وكيف جاز هذا؟ قلنا: لأنه قال خير يهود ولم يقل خير اليهود ويهود اسم علم كثمود] (الروض الأنف1/ 247) ، وقد ذكره ابن حجر في الإصابة وقال: [مخيريق النضري الإسرائيلي من بني النضير ذكر الواقدي أنه أسلم واستشهد بأحد] .، وقال النووي رحمه الله: [قال القاضي عياض رضي الله عنه في تفسير صدقات النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في هذه الأحاديث قال صارت إليه بثلاثة حقوق أحدها ما وهب له صلى الله عليه وسلم وذلك وصية مخيريق اليهودي له عند إسلامه يوم أحد وكانت سبع حوائط] (شرح النووي على صحيح مسلم: 12/ 82) ،مع أن بعض العلماء نصوا على أنه مات على كفره.
(3) - رواه البيهقي، وابن أبي شيبة، وابن حزم، وسعد بن مالك: هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
(4) - (المحلى: 7/ 334) ، ثم قال ابن حزم: والشعبى ولد في أول أيام على وأدرك من بعده من الصحابة رضى الله عنهم، وراه أيضا ابن أبي شيبة.
(5) - أخرجه سعيد بن منصور في سننه: (2/ 331) ، وابن أبي شيبة في مصنفه: (7/ 660) ، وذكره ابن حزم بغير إسناد فقال: [وكان سلمان بن ربيعة يستعين بالمشركين على المشركين] (المحلى7/ 33) .
قال ياقوت الحموي: بَلنجَرُ: بفتحتين وسكون النون وجيم مفتوحة وراء: مدينة ببلاد الخزَرِ، خلف باب الأبواب، قالوا فتحها عبد الرحمن بن ربيعة. وقال البلاذري: سلمان بن ربيعة الباهلي وتجاوَزَها ولقيه خاقان في جيشه خلف بَلنجَرَ فاستشهد هو وأصحابه وكانوا أربعة آلاف (معجم البلدان: 1/ 357) .