فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 38

وماذا عن تطور الشعر؟ أدرك أننا في عصر يحفل بالقلق البالغ على مصير الإنسان، فقد تفجرت المعرفة، وازدادت آلات الدمار الشامل، وباتت تهدد مجرد الوجود الإنساني بأسره، وحدث تقدم صناعي هائل غير متوقع، جعل الكلمة العليا للاقتصاد والآلة. وإلى جانب هذا الجديد المادي فإن عصرنا يضطرب بمذاهب اجتماعية متلاحمة، تتوزع العالم بأسره، ويضم تيارُها العاصفُ المتلاطمُ مختلفَ النزعات، ويتميز بصراعات دموية عنيفة، على مستويات إقليمية، ولكنها طاحنة ومدمرة، وتتسم بقسوة غير معهودة. كل هذا أدى إلى قيام اتجاهات متطرفة، تنشد الجدة بأي ثمن، وتتبرم من الماضي مهما يكن، تعبيرًا عن اليأس الإنساني البالغ، ومظهرًا من مظاهر الخريف الآتي، أو الشتاء القادم، في سبر هذه الحضارة.

ولكن تاريخ الفكر الإنساني يدلنا على أن المصير المحتوم لكل هذه الاتجاهات، التي لا تقوم على أساس راسخ من القيم الحقيقية هو التلاشي والنسيان، مهما تلألأ بريقها الخاطف برهة من الزمان، لن يبقى منها إلا ما يتركه الصدى في سمع الزمان.

أثق في مستقبل الشعر، وأن القرن القادم سوف يكون عصر القصيدة الجليلة الفخيمة، وفي النخبة الطيبة، الصابرة على التجاهل، ما يشي أننا بخير، ولكني أتجاهل الواقع إذا قلت إن الشعر بعامة لا يعاني، ولكنها معاناة ليس مصدرها طبيعةُ الشعرِ نفسهِ، ولا عروضُ الخليل وقواعدُه، وإنما مرد ذلك وسائل أخرى قوية اقتحمت عليه عرينه، فلم يعد يستأثر وحده بميدان العاطفة والخيال، فالقصة القصيرة وهي تشارك الشعر إيجازه وتكثيفه، وشيئًا من موسيقاه، ارتقت وتقدمت وأصبحت فنًّا أدبيًّا مقروءًا وهي في أشكالها العليا لا تقل صعوبة في إبداعها عن الشعر، وهناك الروايات المحكمة بناء ولغة، والمسرح والإذاعة، والمسلسلات في التلفاز والفيديو، تلتهم اهتمامات أطفالنا وتسيطر على مشاعرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت