... لابد أن نتفق على أن الإيقاع هو التكرار المنتظم ترجيعيًّا لظواهر بعينها، فإذا لم يكن هناك تكرار وترجيع وانتظام فهذا ليس إيقاعًا. فالخليل عندما رصد البحر (مستفعلن) ست مرات جاء به منتظم الإيقاع تمامًا، وأنا في تصوُّري - وقد أكون مخطئًا - أن الخليل عندما رصد تفعيلات العروض رصدها بعد أن تتبعها في قصائد الشعراء؛ لأن الأصل المثالي في بحر الرجز (مستفعلن) ست مرات، ثم وجد أن الخبن يدخل فيصير (متفعلن) ثم الطيّ (مستعلن) ، ثم القطع... إلخ، وأصبحت تفعيلة الرجز تحتمل خمسة أبنية.
مستفعلن تأتى: مُتَفْعِلُن - مستعلن - مُتَعِلُن - مُتَعْلن - مُتَفْعِل.
إذًا من الممكن أن يأتي البحر هكذا:
مُسْتَفْعلُن مُتَفْعِلن مُسْتَعِلُن
مُتَعِلُن مُتَعْلُن مُتَفْعِل
... معنى هذا أن الإيقاع غير منتظم داخل البيت، فيُطْرح سؤال، وكيف تقول ذلك: إن البيت الشعري غير منتظم الإيقاع برغم أن أي إنسان عنده علم بالعروض عندما يُلقى عليه بيتٌ شعريّ قد جُرِحت فيه تَفعيلاته يشعر به السامع فيقول: هذا البيت مكسور. لابد أن هناك قاعدة. أقول إن الإلحاح على الأذن العربية مئات السنين عوَّدها على هذا الإيقاع. ومساحته الزمنية لم تتح لأي مرحلة شعرية. وأقول صراحة إن الإيقاع بالنمط الذي رصده الخليل لم يكن ملتزمًا به على مسيرة الشعرية العربية منذ امرئ القيس حتى يومنا هذا. انتهاكات امرئ القيس للعروض معروفة، وانتهاكات عبيد الأبرص معروفة، وغيرهما من الشعراء، حتى إن سَلَم الخاسر. كتب قصيدة التفعيلة فقال:
موسى المَطَرْ
غيثٌ بَكَرْ
ثُمَّ انْهَمَرْ