وقد عالج إبراهيم أنيس كثيرًا من القضايا النحْوية المهمة ضمن المنظومة اللغوية التي تشمل الأصوات والصرف والمعجم والنحو والدلالة بمنهج جديد لم يكن مألوفًا من قبل . ويعنيني منها هنا ما يتعلق بالنحو الذي تمتد جذوره إلى قرون بعيدة سلفت، واستقرت قضاياه ومسائله، ومن هنا يصبح تناولها في حاجة إلى رفق وكثير من الأناة والتلطف، وبعض ألوان هذا التناول كان إشارات مجملة، تلقفها كثير من الطلاب بعده بالتفصيل والتمثيل .
وإذا تلمسنا آراءه في النحو وقضاياه وجدناه يتناول المدرستين الكبريين المعروفتين في النحو وهما مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة، ويزن أمرهما بميزان دقيق وينطلق حكمه عليهما من منطلق بنيوي عام يرجع إلى ثقافة واسعة، إذ يشبه موقف البصريين بموقف المعتزلة من المسائل الدينية، ويشبه موقف الكوفيين من اللغة بموقف أهل السنة أو إن شئت قلت موقف الظاهرية في الأندلس (1) .
ويجمل ثمرة الخلاف بينهما في أمرين:
1-أن الكوفيين أكثر احترامًا للنص القديم لا يصفونه بالنعوت المألوفة لدى البصريين حين يكون قليلًا أو نادرًا .
2-إذا لم يرد للظاهرة اللغوية إلا شاهد واحد أو شاهدان كان البصريون لا يأبهون له ولا يرونه مما يستحق أن توضع له قاعدة، في حين أن الكوفيين كانوا يرون وضع القاعدة لهذا الشاهد المنفرد (2) .
(1) من أسرار اللغة 24.
(2) من أسرار اللغة 26.