ولكنه ـ مع هذا ـ يخالف كثيرًا من علماء اللغة الوصفيين الذين احتفوا بطريقة الكوفيين، ورأوا أنها تتفق مع النظرة الحديثة في وصف الظاهرة اللغوية، ويتجاوز هذا الظاهر البراق إلى عمق ما يترتب عليه فيقول:"وقد يُظن لأول وهلة أنّ في نظرة الكوفيين تيسيرًا علينا نحن المولدين، وأن في مسلكهم رخصة تجيز لنا كثيرًا من الأمور التي أباها البصريون، غير أن الأخذ بمذهب الكوفيين قد يؤدي بنا في آخر الأمر إلى نوع من الاضطراب والفوضى في تقعيد القواعد وتنظيم مسائل اللغة، إذ يترتب عليه خلو اللغة من الاطراد والانسجام، وهما شرط هام في الفهم والإفهام، ومقياس دقيق يقاس به ما بلغته كل لغة من نموّ وتطور، وبغير ذلك الاطراد والانسجام تصبح اللغة كالثوب المرقع، وإن كانت تلك الرقع من الحرير والديباج" (1) .
وهذا الرأي يؤكد لنا أن المرحوم إبراهيم أنيس كانت عينه دائمًا على ما ينفع لغته، وما يُصلح أمرها، سواء وافق ما درسه من آراءٍ حديثة أو خالفه، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه أمر الدارسين المحدثين الذين يغالون فيحاولون أن يلبسوا اللغة العربية ثوب غيرها من اللغات ولا يبالون أكان هذا الثوب ملائمًا أم غير ملائم لها .
(1) من أسرار اللغة 12 .