وهذا التجريب العلمي الذي دعا إليه طبقه هو تطبيقًا عمليًّا في عدد من القضايا النحوية يهديه في ذلك إيمان بمنطق اللغة الخاص ونظامها الخاص الذي يراعيه المتكلم ويستمسك به في كلامه لأنه شرط الفهم والإفهام بين الناس في البيئة اللغوية الواحدة، ويهديه أيضًا إيمانه بأن الظواهر النحوية ليست في حقيقتها إلا مجموعة من العادات الكلامية يلتزمها أبناء اللغة الواحدة في كلامهم ويتوارثونها جيلًا بعد جيل دون تغيير أو تبديل إلا بالقدر الذي تسمح به عوامل التطور اللغوي، وتلك العادات تُظهر لنا اللغاتِ مستقلاًّ بعضها عن بعض، ولكل منها خصائص تميزها وتخلع عليها كيانًا خاصًّا، ولا يكاد يشترك معها في تلك الخصائص غيرها من اللغات (1) .
ومن أهم القضايا التي طبق عليها هذا التجريب اللغوي العلمي"الإفراد والجمع""والتذكير والتأنيث"و"الفكرة الزمنية في اللغة"و"النفي اللغوي"و"الإعراب"و"مفهوم الجملة""وأجزاء الكلام ونظام الكلام"، وقد عالج هذه الأمور علاجًا لم يكن معهودًا من قبل، بل إنه علاج حوّل مجرى البحث اللغوي النحوي عما ألف من قبل لمن يؤمنون بهذه المقولة التي تقول:"إن النحويين يعلمون النحو ولكن علماء اللغة يعلمونهم كيف يعلمون النحو"أما الذين يعتقدون أن"النحويين يعلمون النحو على حين يفسد علماء اللغة ما يفعله النحويون"فإن الأمور لديهم ما تزال على ما هي عليه، وإذا نظرت إلى عنوانات الرسائل العلمية المسجلة في قسم النحو بكلية دار العلوم وأقسام اللغة العربية فسوف يتضح الفرق جليًّا بين هذين الفريقين.
ويضيق المقام هنا عن تناول كلّ ما قدمه إبراهيم أنيس من المسائل النحوية لأن الحديث عن هذا الجانب متشعب مستفيض وهيهات أن يتسع لاستيعابه مثل هذا المقام وكما قالت العرب قديمًا"كفى من القلادة ما حفَّ بالعنق"وسوف أكتفي هنا بالحديث عن نقطتين أثارتا جدلًا وخلافًا بين الدارسين:
(1) من أسرار اللغة: ص 151.