هذه الفروض لا تعد حقائق يمكن الأخذ بها، لأن ظاهرة الإعراب واضحة مستقرة قبل أن يتمالأ عليها النحاة، في أوثق النصوص وهو القرآن الكريم الذي تطرد فيه ظاهرة الإعراب بالحركات والحروف قبل ظهور النحويين، بل إنّ النحويين لم يظهروا إلاّ بسبب اللحن في هذه الظاهرة . كما أنها ظاهرة مطردة في الشعر العربي وفي قوافيه المطلقة على وجه الخصوص سواء أكان الإطلاق بالفتحة أم بغيرها، إذ يجد قارئ هذا الشعر أن القافية تأتي في موضعها مستقرة متوائمة مع الوزن ومع الإعراب، وليست الحركة في القوافي من أجل التخلص من الساكنين، أو لوصل الكلمات لأن القوافي موقوف عليها . بل إن بعض القوافي المقيدة إذا أطلقت اتخذت حركتها سبيلًا مطردًا في الإعراب المستقر في نظام الجملة قبل ظهور النحاة، مع أن نسبة القوافي المقيدة إلى القوافي المطلقة قليلة جدًّا، ومن ذلك قصيدة الحطيئة التي مطلعها.
أتاني وأهلي بذات الدماخِ فلا من مآب ولا من قرَبْ
إذا أطلقت لم تتخلف القافية عن الجرّ، وقصيدته التي يمدح بها بغيضًا ويهجو الزبرقان بن بدرـ وهي قصيدة طويلة إذ تبلغ عدة أبياتها سبعة وثلاثين بيتًاـ ومطلعها"شاقتك أظعان للبلى يوم ناظرةٍ بواكرْ"إذا أطلقت لم تخرج عن الرفع في جميع أبياتها .
وكذلك قصيدة طرفة بن العبد التي مطلعها:
لخولة بالأجزاع من إخمٍ طلَلْ وبالسفح من قوٍّ مُقامٌ ومُحْتملْ
إذا أطلقت كانت الأسماء الواردة في قوافيها مرفوعة كذلك .
وهذا عندي يدل على أن النحويين لم ينسجوا هذه"القصة"ولم يلبسوا اللغة قسْرًا بل هذه ظاهرة أصيلة مستقرة في اللغة قبل ظهور النحاة فضلًا عن أنه لا يستطيع أحدٌ أن يفرض على المتكلمين شيئًا .