ومثل ذلك نجده لدى الشعراء في أي مكان في العالم الإسلامي، فهذا هو الشاعر الأندلسي ابن دَرَّاج القسطلِّي الذي كان يُلقَّبُ بـ (متنبي الأندلس) كان يرى في المنصور بن أبي عامر أيضًا نموذجًا لهذه الفتوة العربية والإسلامية، فلم يكن هناك تفريق ما بين العروبة والإسلام؛ حتى في الأوقات التي توجد فيها خلافات بين بعض الدول، والقرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) دليل على ما أقول، فحينما كانت هناك خلافات ثلاث في العالم الإسلامي (خلافات هنا جمع خِلافة، وليست جمع خِلاف) كانت هناك خِلافة سُنِّية في بغداد، وخلافة فاطمية شيعية في القاهرة، وخلافة أموية في الأندلس، وكلها متعاصرة، ومع ذلك فإن هذه الخلافات - وحتى إن تحولت في بعض الأحيان إلى اشتباكات عسكرية - لم تكن تحول بين أي أندلسي بأن يقطع العالم الإسلامي كله من أقصى مغربه إلى أقصى مشرقه دون أن يجد مضايقة، أو دون أن يشعر أنه في بلدٍ غريب، وأود أن أُنبِّه هنا إلى أن حكام تلك العصور كانوا أزكى كثيرًا من حكامنا في هذه الأيام؛ فإن الخلافات السياسية والمذهبية بينهم لم تكن تحول بين تنقُّل رعاياهم على طول هذا العالم من أقصى الأندلس إلى حدود الصين دون أن يَجِدَ في طلب العلم أو الحج مضايقة من السلطات، وهذا هو ما نفتقده اليوم؛ لأنه لا تكاد العلاقات السياسية تسوء بين زعمائنا حتى يتحول ذلك إلى قطع العلاقات السياسية، والتجارية، والثقافية، وغيرها ونحن نرى - على سبيل المثال - في القرن الثامن الهجري كيف مضى الرحالة ابن بطوطة من طنجة الواقعة في أقصى العالم الإسلامي على المحيط الأطلسي حتى وصل إلى بكين، وكان يجد نفسه من أهل أي بلد يصل إليه، فلم يكن يشعر بالغربة في أي مكان ينزل به سواء أكان في مجاهل أفريقيا، أم في سهوب روسيا، أم في وسط آسيا، أم في غابات الهند.