هكذا كان العالم الإسلامي، ولم نعرف نحن هذه الحدود المفروضة الآن إلا منذ أن وطئت أقدام المستعمرين بلادنا. وإذا مضينا مع الزمن فإننا سنجد بعد أن ابتُلينا بالاستعمار أنه كان هناك دور للأدب في محاولة إيقاظ الهمم في هذا العالم كله، وقد أشار أخي العالم الجليل الأستاذ الدكتور صلاح فضل إلى البارودي. وأود أن أقول لكم - وأنا معتذر أيضًا - إننا في الأسبوع الماضي كنا مشغولين بندوتين - ولهذا لم أعد شيئًا مكتوبًا لهذه المناسبة - ندوة عن البارودي الذي تحدث عنه الأستاذ صلاح فضل، وكانت بمناسبة الذكرى المئوية لوفاته التي كانت في سنة 1904م. وفي الوقت نفسه، كنا نحتفل أيضًا بالشاعر المناضل الذي حصل على جائزة نوبل سنة 1971م، وهو الشاعر الشيني - من أمريكا اللاتينية - بابلو ناروزا الذي ولد سنة 1904م، فكأنه بدأ حياته مع نهاية حياة البارودي، وكان يجمع بينهما كثير من الأمور المتشابهة، فكلاهما كان مناضلًا، وتميز البارودي فكان مناضلًا في سبيل الاستقلال، وليس استقلال وطنه الأصغر مصر، وإنما استقلال الأمة العربية والإسلامية، أما بابلو فكان يناضل في سبيل استقلال أمريكا الجنوبية كلها لا شيلي وحدها، فدول أمريكا الجنوبية تجمعها - كما تجمع بلادنا العربية - لغة واحدة، وثقافة واحدة، ودين يكاد يكون واحدًا.
لو تأملنا البارودي وشعره - وقد أحسن الأستاذ الدكتور صلاح فضل حينما أشار إلى أهميته - لرأينا أن أول شرارة في قوميتنا العربية، وليس المصرية، إنما يرجع الفضل فيها إلى البارودي، حينما نقرأ أبياتًا له مثل الأبيات التي كان يذم فيها سيرة الحكام، ويحث الناس على طلب العدل، وكان ذلك في عهد الخديوي إسماعيل 1879م، وقال فيها:
لكنَّنَا غَرَضٌ للشَّرِّ في زَمَنٍ ... أَهْلُ العُقُولِ بِهِ في طاعة الخَمَلِ (1)
(1) عقب الدكتور محمود علي مكي على هذا البيت بقوله:
"هكذا وردت كلمة (الخَمَلِ) في الديوان، وأنا أظن أن (الخَمَل) إنما هو تحريف عن الخَبَل؛ حتى يتم التقابل بين الخبل (أي الجنون) ، والعقل قبل ذلك".