فهرس الكتاب
ربيع الأول, وقد صلى على شهداء أحد فدعا لهم كما تقدم, وذهب إلى أهل البقيع وسلم عليهم ودعا لهم مودعًا لهم, ثم رجع مرة من البقيع فوجد عائشة وهي تشتكي من صداع برأسها وهي تقول: وارأساه. فقال: "بل أنا والله يا عائشة وارأساه". قالت عائشة رضي الله عنها: ثم قال: "وما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك, وصليت عليك, ودفنتك" قالت: قلت: والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك. قالت: "فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم" [1] وتتام به وجعه حتى استعزبه [2] وهو في بيت ميمونة, فدعا نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيتي [3] .
وأول ما اشتدَّ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجعه في بيت ميمونة رضي الله عنها فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها [4] , فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما ثقل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذنَّ له فخرج وهو بين رجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر [5] وكانت عائشة رضي الله عنها تحدث أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما دخل بين واشتد به وجعه قال: "هَرِيقوا [6] عليَّ من سبع قرب [7] لم تُحْلَلْ أوكيتهن لعلي أعهد [8] إلى الناس, فأجلسناه في مِخضَب [9] لحفصة زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم طفقنا [10]
(1) ابن هشام بسند ابن إسحاق, انظر: سيرة ابن هشام 4/ 320, وانظر: البداية والنهاية لابن كثير 5/ 224, وفتح الباري 8/ 129 - 130, وأخرجه أحمد 6/ 144 و228 لابن ماجه, والبيهقي, وقال الألباني: إن ابن إسحاق قد صرح بالتحديث في رواية ابن هشام فثبت الحديث والحمد لله. أحكام الجنائز ص 50.
(2) استعزبه: اشتد عليه وغلبه على نفسه.
(3) انظر: سيرة ابن هشام 4/ 320 والبداية والنهاية لا بن كثير 5/ 223 - 231, وقيل: كان ذلك في التاسع والعشرين من شهر صفر يوم الأربعاء, فبقي في مرضه ثلاثة عشر يومًا وهذا قول الأكثر.
انظر: الفتح 8/ 129.
(4) صحيح مسلم برقم 418, وانظر: فتح الباري 8/ 129.
(5) هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما قال ابن عباس في آخر حديث البخاري رقم 687 ومسلم 418.
(6) وفي رواية: أهريقوا: أي أريقوا وصبوا. الفتح 1/ 303.
(7) هذا من باب التداوي؛ لأن لعدد السبع دخولًا في كثير من أمور الشريعة, وأصل الخلقة, وفي رواية لهذا الحديث عند الطبراني: " ... من آبار شتى". الفتح 1/ 303 و8/ 141.
(8) أعهد: أي أوصي. الفتح 1/ 303.
(9) المخضب: هو إناء نحو المركن الذي يغسل فيه وتغسل فيه الثياب من أي جنس كان. النووي 4/ 379 والفتح 1/ 301 و303.
(10) طفقنا: أي شرعنا: يقال: طفق يفعل كذا إذا شرع في فعل واستمر فيه. الفتح 3/ 303.