فهرس الكتاب

الصفحة 2209 من 7068

تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا .."التوبة 40 ورأى معه من آيات التأييد ما رسخ بها الإيمان في قلبه , ترسيخا يفوق رسوخ الجبال."

فكان أول ما فعله صلى الله عليه وسلم أن كلف أبا بكر رضي الله عنه بإمامة المسلمين في الصلاة فقال:"مروا أبا بكر فليصل بالناس"وقد حدث أن غاب أبو بكر يوما , فقام عمر فصلى بالناس ,فلما كّبر عمر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته فقال صلى الله عليه وسلم:"فأين أبو بكر؟! يأبى الله ذلك والمسلمون , يأبى الله ذلك والمسلمون".

ثم صار يوكل إليه قضاء حوائج المسلمين , وينبههم إلى الرجوع إليه في الأمور التي كانوا يرجعون إليه فيها عند فقده , فقد جاءت إليه امرأة تسأله عن حاجة فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك - كأنها تقول الموت - قال صلى الله عليه وسلم:"إن لم تجديني فأتي أبا بكر". رواه البخاري في صحيحه.

ولما وجد في نفسه شيئا من العافية قبيل موته , خرج إلى المسجد يهادي بين رجلين من أصحابه ,فأراد أبو بكر أن يتأخر ويقدمه في الصلاة , فأومأ اليه صلى الله عليه وسلم أن مكانك ثم أتىحتى جلس الى جنبه , فصلى بصلاته.

وأعاد على مسامع المسلمين بعض فضائله , فقال:"فإني لا أعلم امرأ أفضل يدا عندي في الصحبة من أبي بكر .."وقال:"لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لا تخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخي وصاحبي"أخرجه البخاري في صحيحه.

وطلب من المجاورين للمسجد , الذين كانت تفتح دورهم عليه مباشرة , أن يسدوا منافذهم تلك؛ للحفاظ على نظافة المسجدفقال:": سدوا هذه الأبواب في المسجد إلا باب أبي بكر"؛ لأنه سيحتاج إلى الخروج إليه كل حين , وعلى غير ميعادللتباحث في أمر المسلمين , فيشق عليه تغيير مخرج بيته.

ثم بدأ يلمّح للمسلمين بقرب أجله , حيث تمت رسالة الإسلام , وبلّغ ما أنزل إليه من ربه أحسن بلاغ, فخرج صلى الله عليه وسلم على الناس فخطبهم , وتحلل منهم ـ أي طلب من له عنده شيء أن يأتي ليأخذه منه , وفعل ذلك ورعا منه صلى الله عليه وسلم ـ ثم قال لهم:"إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا , وبين ما عنده , فاختار ما عنده"فقال أبو بكر: بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا فقال: على رسلك (هون عليك) يا أبا بكر , ثم جمع صلى الله عليه و سلم من كان غائبا من أصحابه فودعهم وعيناه تدمعان , ودعا لهم فقال:"أوصيكم بتقوى الله .. إني لكم نذير و بشير , ألاّ تعلوا على الله في بلاده و عباده , فإنه قال لي ولكم:"تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"القصص 83."

وظل صلى الله عليه وسلم يتابع أمر قيام أبي بكر بالأمر دونه حتى الدقائق الأخيرة من حياته , فقد كشف صلى الله عليه وسلم ستار حجرته صباح اليوم الذي قُبض فيه , فلما رأى الناس صفوفا خلف أبي بكر ,تبسم صلى الله عليه و سلم, فشعر به الصحابة في صلاتهم , وهمّ بعضهم أن يُفسح له الصف , ليدخل لكنه عجز عن الخروج إليهم , وأشار إليهم أن مكانكم , وأسدل ستار غرفته , بعد رؤيته هذا المشهد الذي أثلج صدره , لتصعد روحه إلى باريها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت