فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 7068

في تلك الثورات، والحقيقة أن الدور الأكبر كان للعلماء وتلاميذهم ومريديهم في تحميس الناس، وحضهم على الجهاد بالأنفس والأموال، والخروج على المحتلين المستعمرين ومقاومتهم في ميسلون، والغوطة، وحمص وحماة وحلب وجبل صهيون وسواها، وقد تحدثنا في حلقة سابقة عن جهاد الشيخ عز الدين القسام وتلاميذه في شمال سورية، وفي فلسطين، وسوف نتحدث في حلقة لاحقة عن جهاد الشيخ المجاهد كامل القصاب، إن شاء الله تعالى، ولنستمع الآن إلى ما كتبه الشيخ علي الطنطاوي في (رجال من التاريخ) عن دور المشايخ عامة، والشيخ بدر والشيخ علي الدقر خاصة. قال:

"وأنا أحبّ أن أعرض صفحة مطوية من تاريخ الشيخ بدر الدين، هي رحلته في سنة 1924 مع الشيخ علي الدقر، والشيخ هاشم الخطيب، من دمشق إلى دوما، إلى النبك، إلى حمص، إلى حماة، إلى حلب، هذه الرحلة التي طافوا فيها بلاد الشام (سورية) كلها، وكانوا كلما وصلوا بلدة أو قرية، خرج أهلها على بكرة أبيهم، لاستقبالهم بالأهازيج والمواكب، ثم ساروا وراءهم إلى المسجد، فتكلموا فيه ووعظوا وحمّسوا، وأثاروا العزّة الإسلامية في النفوس، وذكّروا بالمجد الغابر، وحثّوا على الجهاد لإعلاء كلمة الله، فكانت هذه الرحلة هي العامل الأول والمباشر لقيام الثورة السورية التي امتدّتْ سنتين، وأذهلت ببطولتها أهل الأرض."

والثورة .. قد قامت في الغوطة - غوطة دمشق - قبل أن تقوم في الجبل - جبل الدروز - وقد بدأت بخروج طلبة العلم، بدافع الجهاد"."

كانت تلك الجولة في المدن السورية، هي الشرارة التي أشعلت الثورة، كما جاء في تقرير رسمي لمندوب المفوَّض السامي الفرنسي، نشرته جريدة (الأحرار) في بيروت، في العدد 678 الصادر في الثاني من شهر شعبان 1354هـ. وقد بدأت الثورة في الغوطة عقب عودة المشايخ من حلب، فقد خطب الشيخ علي الدقر في مسجده (مسجد السنانّية) بدمشق، وكان مما قال:"يا إخواننا!. اللصّ دخل الدار، وهو يطلب منكم ثلاثة أشياء: دينكم، ومالكم، وعرضكم."

ولما سئل الشيخ: من هو هذا اللص يا شيخنا؟

أجاب: إنه فرنسا.

وعرف الفرنسيون المستعمرون دور الشيخ علي الدقر وتلاميذه في اندلاع الثورة، فأحرقوا مقرّ الجمعية الغراء، وجامع تنكز معًا، قبيل جلائهم عن سورية، انتقامًا وإجرامًا، ولكن الجمعية أعادت بناء مقرها، مع معهد العلوم الشرعية، وثانوية السعادة التابعين لها، على طراز حديث، وجمعت في هذا المعهد سائر طلابها الشرعيين، كما عملت على إعادة بناء جامع تنكز بناء حديثًا جميلًا.

رحم الله الشيخ علي الدقر، فقد كان منارة علم، وفضل، وكرم، كما كان عالمًا عاملًا بما علم، ساعيًا إلى نشر العلم الشرعي الذي يورث الخشية من الله، فيبني الرجال، ويدفعهم إلى الجهاد في سائر ميادين الحياة، لينشروا نور الإسلام، وتعاليمه الخالدة، وأخلاقه الكفيلة ببناء المجتمعات على أسس سليمة، وتنفي منها الخبث والدنس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت