فهرس الكتاب
4 ـ موانع التأثر بالقرآن.
وحديث إمامنا عن الإعجاز النفسي (التأثيري) أتى مرسلًا، دالًا على سجية مؤلفه، يحمل في طواياه هذه النقاط السابقة التي حاولت استخلاصها من حديثه العذب الذي لا غنى لباحث في إعجاز القرآن عن مطالعته والارتواء من نبعه الفياض. ونتلمس النقطة الأولى أول حديث الإمام عن الإعجاز النفسي، فبعد أن يتحدث عما يعرض له القرآن من عقائد دينية وأحكام تشريعية، وحقائق علمية يقول:
(قد تجد في القرآن حقيقة مفردة، ولكن هذه الحقيقة تظهر في ألف ثوب، وتتوزع تحت عناوين شتى، كما تذوق السكر في عشرات الطعوم والفواكه، وهذا التكرار مقصود، وإن لم تزد به الحقيقة العلمية في مفهومها. ذلك أن الغرض ليس تقرير الحقيقة فقط، بل بناء الأفكار والمشاعر، والتقاط مؤلفه آخر ما تختلقه اللجاجة من شبهات وتعلات، ثم الكر عليها بالحجج الدامغة، حتى تبقى النفس وليس أمامها مفر من الخضوع لمفهومها للحق والاستكانة لله. وعندي أن قدرًا من إعجاز القرآن الكريم يرجع إلى هذا ... ) .
تلك هي مكانة الإعجاز التأثيري عند الإمام، فإن كان للقرآن الكريم وجوه إعجاز أخرى غير أنها لا تصل في قدرها وأهميتها إلى الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم في نفس الانسان. ولكن هل يتأثر كل انسان بالقرآن؟ أم يقتصر هذا التأثير على المؤمنين به؟ ويرد أمامنا على هذا التساؤل بما يؤكد مكانة الإعجاز التأثيري بين وجوه الإعجاز، وعدم اقتصاره على نفس انسانية دون أخرى، فيقول:
(فما أظن امرءًا سليم الفكر والضمير يتلو القرآن أو يستمع إليه ثم يزعم أنه لم يتأثر به. قد تقول: ولم يتأثر به؟ والجواب: إنه ما من هاجس يعرض للنفس الانسانية من ناحية الحقائق الدينية ـ إلا ويعرض له القرآن بالهداية وسداد التوجيه. ما أكثر ما يفر المرء من نفسه، وما أكثر الذين يمضون في سبل الحياة هائمين على وجوههم. ما تمسكهم بالدنيا إلا ضرورات المادة فحسب.
إن القرآن الكريم بأسلوبه الفريد يرد الصواب إلى أولئك جميعًا، وكأنه عرف ضائقة كل ذي ضيق، وزلة كل ذي زلل، ثم تكفل بإزاحتها كلها، كما يعرف الراعي أين تأهت خرافه. فهو يجمعها من هنا وهناك لا يغيب عن بصره ولا عن عطفه واحد منهم.
وذلك سر التعميم في قوله عزوجل: (ولقد صرّفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل) حتى الذين يكذبون بالقرآن ويرفضون الاعتراف بأنه من عند الله. إنهم يقضون منه مثلما يقف الماجن أمام أب ثاكل، قد لا ينخلع من مجونه الغالب عليه، ولكنه يؤخذ فترة ما يصدق العاطفة الباكية. أو مثلما يقف الخلي أمام خطيب يهدر بالصدق، ويحدث العميان عن اليقين الذي يرى ولا يرون، إنه قد يرجع مستهزئًا، ولكنه يرجع بغير النفس التي جاء بها.
والمنكرون من هذا النوع لا يطعمون في التأثير النفساني للقرآن الكريم، كما أن العميان لا يطعنون في قيمة الأشعة. ولذا يقول الله عزوجل: (الله نزّل أحسن الحديث) ، وبذلك يكون الشيخ قد تناول النقطة الثانية التي يتأكد من خلالها إعجاز