فهرس الكتاب

الصفحة 5045 من 7068

(والشعور بالرغبة والرهبة والرقة تعمرك وأنت تستمع إلى قصص الأولين والآخرين تروى بلسان الحق، ثم يتبعها فيض من المواعظ والحكم، والمغازي والعبر، تقشعر منه الجلود) .

موانع تأثر النفس البشرية بالقرآن والانفعال به:

وأخيرًا فإننا نستطيع أن نلتقط من كلام الشيخ/ الغزالي بعض رؤاه العلمية العميقة التي يكشف من خلالها موانع تأثر النفوس البشرية بالقرآن والانفعال به، وهو ما أشرنا إليه سابقًا في النقطة الرابعة، يقول الغزالي فيما يؤكد هذه النقطة:

إن إلفك للشيء قد يخفي ما فيه من أسرار، ويصرفك عن اكتشافها. وكثيرًا ما تتلو آيات القرآن مثلما تتصفح آلاف الوجوه في الطريق، ملامح نراها، قد تكون دميمة، قود تكون وسيمة، تمر أشكالها بالعين، فما تثبت على أحدها إلا قليلًا وفي ذهول، لأن المرء مشغول ـ بشأنه الخاص ـعن دراسة القدرة العليا في نسج هذه العيون، وغرس هذه الرؤوس، وصوغ تلك الشفاه، وإحكام ما تنفرج عنه من سنان، وما تؤدي إليه من أجهزة دوارة، لا تقف لحظة، إننا نقرأ القرآن فيحجبنا ـ ابتداء ـ عن رؤية إعجازه: أنه كلام من جنس ما نعرف، وحروف من جنس ما ننطق، فنمضي في القراءة دون حس كامل بالحقيقة.

فالشيخ/ الغزالي قد جعل وجه الإعجاز النفسي (التأثيري عندنا) مقدمًا على وجوه الإعجاز جميعًا، وعلى وجه الإعجاز البياني الذي كان يتصدر وجوه الإعجاز عند السابقين غالبًا، وقد عرضت من كلام الغزالي نفسه ما يربط بين الوجهين رباطًا وثيقًا، بل ويجعل الإعجاز البياني ـ في رأيي ـ هو المقدمة للإعجاز التأثيري، لكن اهتمام الغزالي بالإعجاز التأثيري جعله يضعه في هذه المكانة، يقدمه بها على سواه.

* مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية /العدد 36/ 1998 م

التخييل الحسي والتجسيم

الشهيد سيد قطب

قليل من صور القرآن هو الذي يعرض صامتًا ساكنًا ـ لغرض فني يقتضي الصمت والسكون ـ أما أغلب الصور ففيه حركة مضمرة أو ظاهرة، حركة يرتفع بها نبض الحياة، وتعلو بها حرارتها. وهذه الحركة ليست مقصورة على مشاهد القصص والحوادث، ولا على مشاهد القيامة، ولا صور النعيم والعذاب، أو صور البرهنة والجدل. بل إنها لتلحظ كذلك في مواضع أخرى لاينتظر أن تلحظ فيها.

ويجب أن ننبه إلى نوع هذه الحركة، فهي حركة حية مما تنبض به الحياة الظاهرة للعيان، أو الحياة المضمرة في الوجدان. هذه الحركة هي التي نسميها (التخييل الحسي) ، وهي التي يسير عليها التصوير في القرآن لبث الحياة في شتى الصور، مع اختلاف الشيات والألوان.

وظاهرة أخرى تضح في تصوير القرآن وهي (التجسيم) : تجسيم المعنويات المجردة، وإبرازها أجسامًا أو محسوسات على العموم. إنه ليصل في هذا إلى مدى بعيد، حتى ليعبر به في مواضع حساسة جد الحساسية، يحرص الدين الاسلامي على تجريدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت