فهرس الكتاب
بعد أن درسنا النص بلاغيًا على مستوى المفردات والتراكيب التي تضمَّنها، علينا أن ننظر إليه نظرة كلية، بوصفه نصًّا (وهو جزء من بنية نصية أكبر) ، ذلك أن الدراسة البلاغية تعنى بالكليات قدر عنايتها بالجزئيات.
إذا كانت البلاغة هي بلوغ المرء بعبارته كنه ما في نفسه مع الاحتراز من الإيجاز المخل، والتطويل المملّ، فهل خلا النص مما يعد إطالة لا جدوى منها ولا فائدة؟!
أخطاء حتى في التسمية!
أليس في اسم (الفرقان) معرفًا بـ (أل) ما يغني عن وصفه بـ (الحق) .
وهذا الاسم الذي يتضمن معنى التفريق بين الحق والباطل ألا يغني عن وصفه بـ (محق الحق ومزهق الباطل) وعليه فإن هذا الكلام لم يأتِ بجديد.
إذًا في النص كثير كلام لقليل معنى فيمكن والحالة هذه إيجازه وتكثيفه.
ولعل منتهى البلاغة إنما تكمن في الجديد الذي يأتي به النص أسلوبًا ونظمًا ومعنىً، وهذا النص هو محاولة تقليد للنص القرآني يستخدم ألفاظه، ويكرّر معانيه، ويقلّد أسلوبه، وهو بذلك يعدّ الأصل غاية البلاغة ومنتهاها لذا سعى إلى الصوغ على منواله والسير على نهجه.
استكمالًا لما بدأناه من دراسة بلاغية لما سمي"سورة الحق"من الكتاب المسمى (الفرقان الحق) نتناول هنا بالبحث والدراسة الآيتين الثانية والثالثة من السورة المذكورة، وهذا نصّ الآيتين:
2 -ففضحَ مكر الشيطان الرجيم ولو تنزّل بوحي ملك رحيم
3 -وأبطل فرية رسله الضالين، ولو نطقوا بما أعجز الأميين
الفاء في صدر الآية
2 -ففضحَ مكر الشيطان الرجيم ولو تنزّل بوحي ملك رحيم
تبدأ الآية الثانية ـ كما نلاحظ ـ بالفاء، وللفاء، حسب ما يرى النحاة، ستة أوجه، وقد جاءت هنا حرف عطف، وهي عندما تكون حرف عطف فإنها تفيد الترتيب والتعقيب.
فقولنا: جاء خالد فأحمد:
يعني مجيء خالد أولًا ويليه أحمد (الترتيب)
دون أن يكون بينهما فارق زمني يذكر (التعقيب) .
فهل جاءت الفاء هنا في موضعها الملائم!! لنتذكر معًا الآية التي سبقت هذه الآية ترتيبًا في السورة ذاتها: تقول الآية السابقة: (وأنزلنا الفرقان الحقَّ نورًا على نور محقًا للحقّ ومزهقًا للباطل وإن كره المبطلون) المعنى الذي تقوم عليه الآية كما نرى هو إنزال فرقان يفرق بين حق وباطل. والفرقان المنزل: كتاب، فهو نصّ أولًا وأخيرًا، والنص لا يفرق بين الحق والباطل بفعل البطش والقوة، وإنما بسلطان العقل والمنطق وإقامة الحجة والبرهان، وصولًا إلى فضح مكر الشيطان (أي حيلته) في طمس معالم الحق وإظهار الباطل.