فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 7068

46]، ثم تنصرف إلى خدمته في ليلها ونهارها، تغذِّيه بصحتها، وتنميه بهزالها، تخاف عليه رقة النسيم وطنين الذباب، وتؤْثِره على نفسها بالغذاء والنوم والراحة، تقاسي في إرضاعه وفطامه وتربيته ما ينسيها آلام حملها ومخاضها. تقول عائشة رضي الله عنها: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقَّت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"إن الله قد أوجب لها الجنة - أو أعتقها من النار" [رواه مسلم] . الله أكبر .. ما أعظم الأم الصادقة المسلمة!!.

لا للعقوق ألا فليتق الله الأولاد، وليقدِّروا للأم حقَّها وبرَّها، ولينتهين أقوام عن عقوق أمهاتهم قبل أن تحل بهم عقوبة الله وقارعته، ففي الصحيحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات"، وعند أحمد وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله يوصيكم في أمهاتكم"قالها ثلاثًا، وعند الترمذي في جامعه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حلَّ بها البلاء ..."وذكر منها:"وأطاع الرجل زوجته وعقَّ أمه".

ولا بطلقة واحدة ألا لا يعجبنَّ أحدٌ ببره بأمه، أو يتعاظم ما يسديه لها، فبرُّها طريق إلى الجنة. جاء عند البيهقي في شعب الإيمان، والبخاري في الأدب المفرد:"أن أبا بردة بن أبي موسى الأشعري حدّث: أنه شهد ابن عمر رجلًا يمانيًا يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره يقول: إني لها بعيرها المذلَّل إن أُذعرت ركابها لم أُذعر الله ربي ذو الجلال الأكبر، حملتها أكثر مما حملتني، فهل ترى جازيتها يا ابن عمر؟ قال ابن عمر: لا، ولا بزفرة واحدة!".

ليس هكذا تُكرم الأم!! ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أنه ينبغي التنبيه إلى مكانة الأم. وواجب الأولاد والمجتمع تجاهها لا يعني خرق حدود الشريعة أو تجاوزها، إذ تلك حدود الله فلا تعتدوها، فالأم لا تُطاع في معصية الله، ولا يُقدَّم قولها على قول الله ورسوله، ولا ينبغي أن يُتشبَّه بأهل الكفر في طقوسهم ومراسيمهم مع الأم، والتي هي ليست من نهج الإسلام في شيء، حيث يعملون لها يومًا في السنة هو يوم البر بها، يقدمون لها فيه شيئًا من الزهور أو الطيب ونحو ذلك، يسمونه عيد الأم، وهذا من البدع المنكرة التي يكتنفها آفتان: أولاهما: تقليد أهل الكفر: ورسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن التشبه بهم، وأمرنا بمخالفتهم، ومن أبى فقد قال عنه صلى الله عليه وسلم:"ومن تشبه بقوم فهو منهم"، حتى لقد قال اليهود عنه: ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئًا من أمرنا إلا خالفنا فيه [رواه مسلم] . وثاني الأمرين: هو إحداث عيد واحتفال لا يُعرف في أعياد المسلمين: وما للمسلمين إلا عيدان: عيد فطر، وعيد أضحى، وما عدا ذلك من أعياد للأم واحتفالات، أو أعياد للميلاد أو للبلوغ أو للكهولة أو للشيخوخة، كل ذلك مما أُحدث في الدين، وحرّمه علماء الملة. فكل احتفال أو عيد لم يدل الشرع عليه فهو بدعة محدثة، ورضي الله عن ابن عباس حين قال:"ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن". وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. فضيلة الشيخ / سعود الشريم إمام وخطيب الحرم المكي الشريف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت