وإلى جانب هذا التواضع كان يقرن اللطف بالتنبيه والإرشاد .. كان كثيرًا ما يروي حديث الأعرابي (الذي تكلم في الصلاة) وقول هذا الأعرابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (فما زجرني وما نهرني وما زاد على أن قال إن الصلاة عبادة لا يصح فيها شيء من أمور الناس .. )
إذا لحظ أن أحد المصلين لا يعطي الركوع حقه سأله بلطف: (هل تشتكي من ألم في الظهر .. ) وإذا رأى عالمًا على غير مذهبه يخالف المشهور مما عليه العمل سأله برفق (هل عندكم في هذا الأمر شيء؟!)
وكان رحمه الله في فتواه معلمًا وواعظًا، يتصدى لعادات المجتمع البالية بروح نقدية لاذعة. كانت (أيمان الطلاق) من أشد ما يحمل عليه الشيخ ويقرع الحضور من أجله محذرًا ومستهجنًا (يحلف أحدهم بالطلاق عدد حبات كيس الأرز ليمارس رجولته .. ) ثم يقف أمام الشيخ (دبرني .. ) وبعد أن يشدد النكير يطلب المستفتي ليلقاه على انفراد.
أسلوبه التعليمي المتفرد، ومزجه الجد بشيء من اللطائف المحببة، واستشهاده بالأبيات السائرة، جعل خطبه ودروسه قبلة الشباب والمثقفين، فربى جيلًا، وفتح أعينًا وقلوبًا على مقاصد الشريعة، وقواعد العلم، وحقائق العصر، من غير إفراط ولا تفريط. كان يعجبه أن يردد أمام (المقصر) و (الغالي) : (هونًا ما .. ) مكررًا قول الإمام علي رضي الله عنه: (أحبب حبيبك هونًا ما فعسى أن يكون عدوك يومًا ما. وابغض عدوك هونًا ما فعسى أن يكون حبيبك يومًا ما .. ) .
كان يؤكد على السمو العقلي المتفتح في شخصية المسلم، وألا يترك نفسه تنحاز به إلى السفاسف والصغائر، حمل إليه أحد الخلطاء يومًا صورة لمقطع حبة بندورة ارتسم فيها صورة للفظة (الله) ، وقد احتفت بها إحدى الصحف، ونسخت صورًا عنها ووزعتها .. قال الشيخ معلقًا (إن المسلم ينبغي أن يكون أعقل من أن يؤخذ بمثل هذا!! وإن الإسلام أعظم من أن يستدل على صحته بهذه الصورة!!)
وبين العقل والشرع يؤكد الشيخ على وزن الأمور بميزانها ويكثر من الاستشهاد بقول القائل ..
وزن بميزان الشرع كل خاطر
وقول الآخر:
رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع
ـ الشيخ العامل:
العالم العامل، من الألقاب العزيزة في عصر قل فيه العلماء، وندر العاملون. فعلى الرغم من استغراق الشيخ رحمه الله تعالى في تحصيل العلم ونشره تأليفًا وتدريسًا ومتابعة؛ إلا أن ذلك لم يمنعه أن ينخرط في صفوف الدعاة العاملين، فكان منذ مبتدأ أمره أحد أركان دعوة الإخوان المسلمين في سورية. يمنحها وقته وجهده ومشورته وتأييده وتسديده وكلَّ ما تطلبه منه.
كان انتسابه إلى هذه الجماعة، وإيمانه بدورها، ومكانتها لا حدود له. يقول عنها أمام بعض إخوانه وقد دب إليهم النَّصَب وعوامل اليأس أثناء محنة طويلة ( .. إنها غرسة يد مباركة هي يد الإمام الشهيد حسن البنا، وهي غرسة يجب أن تستمر .. )