أولا بآل العطاسي ثم تحول اللقب إلى الأطاسي ثم أخيرا إلى الأتاسي، واستقرت بحمص وخرجت علماء كثيرين وردت تراجمهم في متون أشهر كتب التاريخ، نعرف منها سبعة عشر مفتيا تولوا الفتوى في حمص وطرابلس، وهي أسرة شريفة النسب تنتمي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كما تدل الوثائق القديمة التي بحوزتها. وكانت الفتوى في حمص تدور على آل الأتاسي يتوارثونها جيلا بعد جيل، فأخذ عن علماء أسرته، والده وأعمامه وأبناء عم أبيه، فدرس الفقه والحديث والتفسير واللغة، وبلغ من العلم درجات، ثم سافر إلى الأستانة ودرس في مدرسة القضاء الشرعي فيها (مكتب النواب) ونال الدرجة الأولى عام 1883م، وعاد إلى بلاده ونزل دمشق، فأخذ عن السيد محمود الحمزاوي الحسيني، مفتي الشام، وعن شيخ الشام العفيف، المحدث الأكبر الشريف، بدر الدين الحسني، الغني عن التعريف، وتلقى الأتاسي العلم عن علامتي الشام الشيخ سليم بن ياسين العطار والشيخ بكري بن حامد العطار، رحمهما الرحيم الغفار، وآخذ الأتاسي أيضًا عن عالم حمص ودمشق الشاعر محمد أبي الجود بن مصطفى خانقاه، ودرس عليه من الأدب أرقاه، ومن العلم أصفاه وأنقاه، وقد توفى الخانقاه عام 1291 للهجرة=1874م، وكان مقربًا عند شاعر الشام في أوانه أمين الجندي العباسي.
توليه للقضاء ولفتوى الديار الحمصية وتخرج العلماء على يديه:
وصار بعد رشفه للعلم عن أفضل الأفاضل مرجع العالِمين، ينشده من كانوا بأبهة تفوُّقِه حالمين، وعرفت الدولة العثمانية مقدار فطنته، فنصبته قاضيًا في مدن عديدة، فتولى المنصب في حوران عام 1306 للهجرة (1890م) ، ثم في نابلس، فالكرك، ثم دنزلي وأدنة من الأناضول، ثم في القدس الشريف، إلى أن نال منصب القضاء في البصرة. ومنصب القضاء الشرعي في مدينة القدس يعتبر من أعلى رتب القضاء في السلطنة العثمانية إذ يأتي في الدرجة الخامسة بعد قضاء العسكر الروملي والأناضولي وقضاء الحرمين الشريفين، بينما يعتبر قاضي دمشق ثامنًا من حيث الرتبة، ولا يتولى قضاء القدس إلا أكثر علماء الدولة تبحرًا في العلوم الشرعية، ويعتبر من فئة"المولى الكبير". ثم رسم للعلامة الأتاسي بالفتوى في بلده الأول حمص، وجاءه منشور المشيخة الإسلامية عام 1333 للهجرة (1914م) ، فعاد إليها، وشرع بإفادة قاطينيها، وظل منارة للعلم مقصودة، ونبعًا للأداب منشودة. وظل رحمه الله مفتي المدينة إلى أن وافته المنية، فكانت مدة إفتائه قرابة ربع قرن.
وأقبل طلاب العلم عليه بهمة قوية، يدرسون العلوم الشرعية والأداب العربية، ويأخذون عنه الفقه واللغة والحديث، فخرجوا من حلقاته علماء أفذاذًا، وأضحوا بدورهم لعشاق العلم مقصدًا وملاذًا، فمن الذين استجازوه وسمعوا من فوائده الشيخ محمد العربي العزوزي الإدريسي الحسني، أمين الفتوى في الجمهورية اللبنانية، كما سيأتي، ومنهم الشيخ الدكتور الأزهري مصطفى السباعي الحسني (المتوفي عام 1964) ، والذي أصبح المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في بلاد الشام بعد تأسيسه لها، وأحد نواب حمص ودمشق في المجالس النيابية، له حزبه وأتباعه في المجلس النيابي، ومعلمًا تخرج الكثير من مدرسته الفكرية، وكان المؤسس لكلية