فهرس الكتاب
معلول أعله أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله البخاري وغيره بالوقف على أبي سعيد". ولو صرفنا نظرًا عن هذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نهى عن الكتابة، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم الإذن بها بل الأمر بها في أحاديث أخر ولذلك قلنا إن استدلالهم فيه تدليس حيث ذكروا حديث النهي ولم يشيروا إلى أحاديث الإذن وهي كثيرة منها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم الفتح فقال " إن الله حبس عن مكة القتل -أو الفيل الشك من البخاري وسلط عليهم رسول الله والمؤمنون .."ولما انتهى من خطبته جاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (اكتبوا لأبي شاة) (19)
ومنها: ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:"ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا عبد الله بن عمرو فقد كان يكتب ولا أكتب (20) . ومن ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن بعض الصحابة حدثه فقال: إنك تكتب عن رسول الله كل ما يقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم - بشر يغضب فيقول ما لا يكون شرعًا، فرجع عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قيل له، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج من فمي إلا الحق) (21) وهذه الروايات في الصحيح وهناك غيرها ضعيف وهي كثيرة فإذا ما وازنا بين روايات المنع وروايات الإذن " وجدنا أبا بكر الخطيب رحمه الله (ت463هـ) قد جمع روايات المنع فلم يصح منها إلا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه السابق ذكره وقد بينا أن الإمام أبا عبد الله البخاري قد أعله بالوقف على أبي سعيد وكذلك فعل غيره (22) بينما أحاديث الإذن كثيرة والصحيح منها كثير روينا بعضه ومنها: إضافة إلى ما سبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده) . (23) "
وقد اجتهد العلماء في الجمع بين أحاديث الإذن وأحاديث المنع، فنتج عن ذلك آراء أهمها:
أ. أن ذلك من منسوخ السنة بالسنة أي أن المنع جاء أولًا ثم نسخ بالإذن في الكتابة بعد ذلك وإلى ذلك ذهب جمهرة العلماء، ومنهم ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث وقد قالوا إن النهي جاء أولًا خشية التباس القرآن بالسنة فلما أمن الالتباس جاء الإذن.
ب. أن النهي لم يكن مطلقًا، بل كان عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة أما في صحيفتين فمأذون به.
ج. أن الإذن جاء لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون لأنفسهم، ويؤمن عليهم الخلط بين القرآن والسنة.
وهناك آراء غير ذلك لكن الذي يتضح من روايات المنع وروايات الإذن أن الإذن جاء آخرًا فإن كان نسخ فهو الناسخ للمنع وهذا الذي رواه الجمهور.
وبهذا يسقط استدلالهم بحديث المنع الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه هذا الحديث الذي يعدونه حجر الزاوية في احتجاجهم بعدم تشريعية أو حجية السنة ويكثرون اللجاج به.