فهرس الكتاب

الصفحة 6689 من 7068

8 -إن علماء الحديث قد أفردوا لكل نوع ممن الحديث وعلومه كتبًا تجمع أفراد هذا النوع من أحاديث، أو أسانيد أو رجال، فلا يصلح بعد هذا أن يقول قائل: كيف نعرف هذا الحديث أنه صحيح من بين تلك الأنواع.

ونحن نقول له: كذلك وقع التنوع في كل علم وكل فن، فلو قال إنسان: كيف نحكم على هذا المرض بأنه كذا وأنواع الأمراض تعد بالمئات، وكيف نبين هذا المركب الكيمائي من بين المركبات التي تعد باللآلاف لأحلناه على الخبراء المتخصصين ليأخذ منهم الجواب الشافي، والحل المقنع.

فكما يرجع في الطب غلى الأطباء، وفي الهندسة إلى المهندسين وفي الكيمياء غلى علمائها، والصيدلة غلى أصحابها ... كذلك فارجع في الحديث على علماء الشرع المتخصصين في هذا العلم لأخذ البيان الجلي المدعم بالأدلة القاطعة عن كل حديث تريده وتود معرفة حاله.

ثالثًا: المصطلح بين الشكل وبين المضمون

يقول المستشرقون:

(( .. إن وجهات النظر التي تبناها النقد الإسلامي للسنة لم يكن بإمكانها أن تساهم في تشذيب المادة المحترمة للأحاديث من الزيادات التي هي أكثر ظهورًا إلا في مقياس محدود، ففي النقد الإسلامي للسنة تهيمن النزعة الشكلية في القاعدة التي انطلق منها هذا العلم.

والعوامل الشكلية هي بصورة خاصة العوامل الحاسمية للحكم على استقامة وأصالة الحديث، أو كما يقول المسلمون: على صحة الحديث، وتختبر الأحاديث بحسب شكلها الخارجي فقط. ثم إن الحكم الذي يمس قيمة مضمونها يتعلق بالقرار الذي يعطونه حول تصحيح سلسلة الرواة. عندما ينتصر إسناد في امتحان هذا النقد الشكلي ويكون قد نقل به فكرة مستحيله ملوثة بتناقضات خارجية وداخلية وعندما يقدم هذا الإسناد سلسلة غير منقطعة لشيوخ جديرين بالثقة تمامًا وعندما يبرهن على أن هؤلاء الأشخاص كان في إمكانهم أن يكونوا على صلة فيما بينهم فإن الحديث يعتبر عند ذلك صحيحًا، ولا يبادرن أحد لأن يقول: بما أن المتن يتضمن استحالة منطقية أو تاريخية فإني أشك في أن يكون الإسناد منتظمًا )) .

هذا أخطر إشكالات المستشرقين وأشهرها، وإن كان أشدها ضعفًا وأوضحها سقوطًا، لكنهم عنوا بتسديده نحو قواعد المصطلح ليظهروا هذا العلم بمظهر العلم الناقص الذي يرى شيئًا شكليًا هو ما أسموه"النقد الخارجي"أي نقد السند، على حين أنه يعشو بصره عن أشياء خطيرة في النقد، حيث إنه بزعمهم لا يعتني بنقد المتن الذي يسمونه"النقد الداخلي"، وقد سرت العدوى بهذا الظن الخاطىء إلى بعض كتابنا ومفكرينا مثل الدكتور أحمد أمين (1) ، والدكتور أحمد عبد المنعم البهي (2) ، فقد قرر الدكتوران هذا الطعن في الحديث، بدافع من التقليد للمستشرقين وحب التظاهر على الناس بمعرفة شيء خفي بزعمهم عن الأئمة الكبار، من حيث إن هؤلاء المقلدة هم ومتبوعوهم ليسوا من علم المحدثين في ذلك المكان، ومثَل الدكتورين في مقاليهما كمثل تلميذ يتلقف ما يسمعه ثم يردده دون أن يدرك ما فيه من عظيم البهتان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت